المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هذه مجموعة من الأسئلة وجهت للشيخ سليمان بن ناصر العلوان في إحدى جلساته اليومية


9adim
21-Mar-2007, 10:13 PM
بطاقة تعريفية للعلامة سليمان بن ناصر العلوان فك الله أسره
http://www.nor3alanor.com/vb/showthread.php?t=458

الجلسة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة وجهت للشيخ سليمان بن ناصر العلوان في إحدى جلساته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة عليها مسجلة وبعد ذلك فرغت من الأشرطة وعرضت على الشيخ فأجاز نشرها . بتاريخ 24 / 5 / 1421 هــ
السؤال الأول : هل يوجد في الأربعين النووية أحاديث ضعيفة ؟
الجواب : نعم فيه بعض الأحاديث الضعيفة مثل
- الحديث الثاني عشر ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . رواه الترمذي وغيره من طريق قرة بن عبد الرحمن المعافري عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يصح قرة بن عبد الرحمن سيء الحفظ وقد رواه مالك وغيره عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
وصحح إرساله أحمد بن حنبل والبخاري والدار قطني وغيرهم .
2- وفيه الحديث التاسع والعشرون حديث معاذ بن جبل قلتُ [ يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعد ني عن النار ... ) الحديث رواه الترمذي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ .
ورواه أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن عاصم عن شهر بن حوشب عن معاذ .
وهذا أصح من الأول وشهر بن حوشب ضعيف الحديث .
3- ومن ذلك الحديث الثلاثون حديث أبي ثعلبة الخشني ( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ..) الحديث فيه انقطاع بيد أن له شاهداً حسناً رواه الحاكم من حديث أبي الدرداء
4- ومن ذلك الحديث الحادي والثلاثون حديث سهل بن سعد الساعدي قال [ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دُلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس ... ) الحديث ولا يصح بوجه من الوجوه وإن كان معناه صحيحاً .
5- ومن ذلك الحديث الثاني والثلاثون حديث لا ضرر ولا ضرار لا يصح إلا مرسلاً قاله ابن عبد البر وغيره وقد عده أبو داود من الأحاديث التي يدور الفقه عليها .
6- ومن ذلك الحديث التاسع والثلاثون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) . أنكره الإمام أحمد ومعنى الحديث صحيح فيه ما يدل عليه من الكتاب والسنة .
7- ومن ذلك الحديث الحادي والأربعون حديث (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) مداره على نعيم بن حماد الخزاعي ولا يصح حديثه ضعفه أبو داود والنسائي وجماعة .
8- ومن ذلك الحديث الثاني والأربعون حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ( يا ابن آدم إنك ... ) فيه لين وقد تفرد به الترمذي من هذا الوجه وقال حسن غريب وقد صح آخره من حديث أبي ذر رواه مسلم في صحيحه .
السؤال الثاني : هل الكحل يفطر الصائم ؟
الجواب : الكحل لا يفطر الصائم وليس به بأس في الصيام سواء كان نفلاً أو فرضاً .
وقد قال الإمام الأعمش . ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم . رواه أبو داود في سننه .
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى كراهيته للصائم لحديث ليتقه الصائم . رواه أبو داود وغيره وفيه نكارة قال أبو داود قال لي يحي بن معين هو حديث منكر . وحينئذ لا يصح هذا الحديث حجة على منع الصائم من الكحل والله أعلم .
السؤال الثالث : البنت البكر إذا ثاب منها لبن فأرضعت به هل تكون أماً للطفل ؟
الجواب : لا خلاف بين العلماء أن البكر التي لم تنكح إذا نزل منها لبن وأرضعت به فإنه ينشر المحرمية فيكون المرتضع ابنها وليس له أب وقد أشار إلى هذه المسألة ابن المنذر في الإجماع وابن قدامة في المغني وغيرهما .
السؤال الرابع : ما حكم الاستمناء باليد ؟
الجواب : في ذلك ثلاثة مذاهب لأهل العلم
الأول : الجواز مطلقاً لأنه لم يثبت في منعه دليل وقد كتب الشوكاني رسالة في ذلك ونصر هذا القول
الثاني : المنع مطلقاً سواء خشي العنت أو لم يخش بدليل ظاهر قوله تعالى { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) } .
الثالث : يباح لمن خشي الزنا أو الفاحشة وما عدا ذلك فيحرم وهذا قول الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام رحمه الله .
السؤال الخامس:ما صحة حديث ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ).
الجواب : هذا الخبر منكر سنداً ومتناً . قال عنه الإمام مالك هذا كذب ذكره عنه أبو داود في سننه .
وقال الأوزاعي . مازلت له كاتماً حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم . لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده . متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو دليل على صوم يوم السبت والأحاديث في ذلك كثيرة والله أعلم .
السؤال السادس : هل يجوز للمحادة أن تتصل بالهاتف .
الجواب : ليس في ذلك حرج ولا أعلم أحداً من العلماء كره ذلك .
وقد ورد منع المحادة من التزين والطيب والكحل والخروج من المنـزل بدون عذر ودون هذه الأمور أقوال وآراء لا دليل عليها والله أعلم .
السؤال السابع : ما هو القول الصحيح في الأقراء هل هي الحيض أم الأطهار ؟
الجواب : في ذلك خلاف مشهور بين الفقهاء . فقال قوم هي الحيض وهذا مروي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأكابر الصحابة وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد في آخر القولين عنه .
وقال آخرون . الأقراء الأطهار وهذا مروي عن ابن عمر وعائشة وهو مذهب مالك والشافعي .
والأول أصح وحينئذٍ لا تنقضي عدتها حتى تنقضي الحيضة الثالثة والله أعلم .
السؤال الثامن : امرأة طهرت من الحيض في صيام رمضان فهل يجب عليها الإمساك بقية يومها ؟
الجواب : قال بذلك الإمام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية .
وقال مالك لا تمسك إذا طهرت وقال في الذي يقدم من سفره وهو مفطر وامرأته مفطرة حين طهرت من حيضها في رمضان أن لزوجها أن يصيبها إن شاء .
وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله في الرواية الثانية وهو الصحيح وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أكل أول النهار فليأكل آخره . رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع عن ابن عون عن ابن محيريز قال قال ابن مسعود والله أعلم .
الجلسة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر .
وكانت الإجابة مسجلة بصوته وقد تم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 27 / 5 / 1421 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما صحة حديث ( عند كل ختمة دعوة مستجابة ... ) .
الجواب : هذا الحديث موضوع رواه أبو نعيم في الحلية وغيره وفي إسناده يحي بن هاشم السمسار .
قال عنه الإمام النسائي : متروك الحديث .
وقال يحيى بن معين : كذاب .
وقال ابن عدي : كان يضع الحديث ويسرقه .
والدعاء عند ختم القرآن له حالتان :
الأولى : في الصلاة فهذا بدعة فإن العبادات مبناها على الشرع والاتباع وليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه الله أو سنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ودون ذلك ابتداع في الدين قال صلى الله عليه وسلم (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد . متفق عليه من حديث عائشة .
وقد ذكر الشاطبي في الاعتصام وشيخ الإسلام في الاقتضاء قاعدة عظيمة المنفعة في التفريق بين البدعة وغيرها ، وهي أن ما وجد سببه وقام مقتضاه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة ولم يقع منهم فعل لذلك مع عدم المانع من الفعل فإنه بدعة كالأذان للعيدين والاستسقاء ونحو ذلك .
ودعاء الختمة في الصلاة من ذلك فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقومون في رمضان ليلاً طويلاً ويتكئون على العصي من طول القيام فهم في هذه الحالة يختمون القرآن أكثر من مرة ولم ينقل عن أحد منهم دعاء بعد الختمة .
وقد قال الإمام مالك رحمه الله : ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن وما هو من عمل الناس . ذكر ذلك عنه ابن الحاج في المدخل .
الحالة الثانية : الدعاء عقيب الختمة في غير الصلاة وهذا منقول عن أنس بن مالك بسند صحيح .
ومأثور عن جماعة من أهل العلم ولا أعلم في المرفوع شيئاً ثابتاً والله أعلم .
السؤال الثاني : ورد في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من وسط الناس سفعاء الخدين ... الحديث .
نريد صحة الزيادة ( سفعاء الخدين ) حيث يحتج بها القائلون بكشف المرأة وجهها عند الأجانب ؟.
الجواب : هذه الرواية جاءت في صحيح الإمام مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله .
ورواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله وليس فيه هذه الزيادة .
وابن جريج في عطاء أوثق من عبد الملك بن أبي سليمان .
قال الإمام أحمد رحمه الله : عبد الملك من الحفاظ إلا أنه كان يخالف ابنَ جريج في إسناد أحاديث وابن جريج أثبت منه عندنا .
والقول بأن الزيادة من ثقة فيجب قبولها دعوى غير صحيحة فإن أكابر المحدثين لا يحكمون على الزيادات بحكم كلي يعم كل الأحاديث .
بل يعتبرون القرائن ويحكمون على كل زيادة بما يترجح عندهم .
وحين نعلم أن ابن جريج أوثق من عبد الملك في عطاء فإننا نقدم روايته ونحكم على رواية عبد الملك بالشذوذ والله أعلم .
السؤال الثالث : ما تقولون في نجاسة القيء ؟
الجواب : ذهب أكثر أهل العلم إلى أن القيء نجس مطلقاً .
وذهب فقهاء المالكية إلى أن القيء النجس هو ما شابه أحد أوصاف العذرة .
وأما ما كان على هيئة الطعام لم يتغير فإنه طاهر .
والصحيح أنه طاهر مطلقاً والاستقذار والاستحالة إلى روائح كريهة لا يعني النجاسة .
والأصل الجامع في هذا الباب طهارة كل الأعيان حتى يثبت الدليل على النجاسة والقيء لم يثبت دليل على نجاسته فهو طاهر .
وحديث (( العائد في هبته كالعائد في قيئه )) متفق عليه من حديث ابن عباس .
ليس صريحاً في نجاسة القيء فإن العود في القيء منهي عنه للضرر وشبهه وليس للنجاسة .
وقد تقرر في القواعد الأصولية أنه ليس كل محرم نجساً والله أعلم .
السؤال الرابع : هل يعتبر موت الإنسان دماغياً موتاً حقيقياً ؟
الجواب : في هذه المسألة قولان للعلماء المتأخرين حيث أن هذه المسألة من مستجدات العصر بسبب التطور الطبي والتقدم في ذلك .
القول الأول : أنه لا يعتبر موت الإنسان دماغياً موتاً حقيقياً ولا يحكم بموته حتى يتوقف قلبه عن النبض و حينئذ لا يجوز نزع الأجهزة عنه ما لم يأت من هو أحوج منه إليها .
الثاني : يعتبر موت الدماغ دون القلب موتاً حقيقياً حيث أن الأعضاء لا تستجيب لتصرفات الروح . والحياة المستقرة المعتبرة هي أن تكون الروح في الجسد ومعها الحركة الاختيارية دوه غيرها وفيه نظر .
فإن فقد الإحساس والشعور والحركات الاختيارية ليس كافياً في الحكم عليه بالموت .
والفرض في ذلك التحري والتريث إلى أن يحصل اليقين بموته .
ولأن الأصل الحكم بحياة المريض فلا تخرج عن اليقين بمجرد الشك وهذا معلوم في قواعد الفقهاء والأصوليين والله أعلم .
الجلسة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 3 \ 6 \ 1421 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما الحكم في اللقيط هل يعتبر عبداً أم حراً ؟
الجواب : اللقيط بمعنى ملقوط وهو الطفل المنبوذ الذي لا يعرف نسبه .
والأصل فيه أنه حر في جميع الأحكام فقد جاء في موطأ مالك عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم . أنه وجد منبوذاً في زمان عمر بن الخطاب قال فجئت به إلى عمر بن الخطاب فقال : ما حملك على أخذ هذه النسمة ؟ فقال وجدتها ضائعة فأخذتها . فقال له عريفه : يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح ، فقال له عمر أكذلك ؟ قال نعم . فقال عمر بن الخطاب إذهب فهو حُرّ ولك ولاؤه وعلينا نفقته .
قال ابن المنذر رحمه الله في كتاب الإجماع . وأجمعوا أن اللقيط حر وقال ابن قدامة رحمه الله اللقيط حرّ في قول عامة أهل العلم إلا النخعي .
السؤال الثاني : ما حكم الوضوء في المسجد ؟
الجواب : لا بأس بذلك فقد رخص فيه أئمة السلف وأهل العلم وحكى ابن المنذر في الأوسط الإجماع على ذلك وقال ليس للمنع من ذلك معنى ظاهر لأنه ماء طاهر يلاقي ها هنا طاهراً ولا يزيده بذلك إلا نظافة غير أنا نكره أن يتوضأ في موضع مصلى الناس لئلا يتأذى بهذا الطهور مسلم .
وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال لا بأس بهذا رواه ابن المنذر في الأوسط .
وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتوضأ في المسجد .
ولا يدخل في الوضوء قضاء الحاجة فإن قضاء الحاجة مـن بول وغائط في أماكن المصلين محرم بالإجماع .
السؤال الثالث : فضيلة الشيخ هل يكفر ساب الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد السب أم يشترط في ذلك الاستحلال ؟
الجواب : أجمع الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من أهل السنة أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر دون تقييد ذلك بالاستحلال .
واتفق أهل العلم على أن الكفر قد يكون بالجحد أو التكذيب أو الإعراض .
وقد يكون بالقول كسب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بالدين وأحكامه ويكون بالفعل كالسجود للأصنام والطواف على القبور والذبح للجن والأوثان .
وقد يكون بالترك كترك جنس العمل مطلقاً وحكى إسحاق بن راهويه وغيره إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عمداً وقد جاء في صحيح مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير المكي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين الرجل وبين الشرك أو الكفـر ترك الصلاة .
والكفر المعرف بالألف واللام يدل على الكفر الأكبر غير أنه قد جاء في كفر تارك الصلاة خلاف بين أئمة المذاهب فقالت طائفة لا يكفر مطلقاً مالم يجحد وجوبها .
وقالت طائفة يكفر كفراً أكبر لإجماع الصحابة على ذلك على خلاف بينهم في القدر الذي يكفر بتركه فقالت طائفة يكفر بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها وقالت أخرى لا يكفر إلا بالترك الكلي .
وبالجملة فأهل السنة لا يكفرون بمطلق الذنوب ولا بكل ذنب كما تفعل الخوارج والمعتزلة حيث يكفرون بكبائر الذنوب ويعتقدون ذنباً ماليس بذنب ويرتبون عليه أحكام الكفر وتارة يأخذون الناس بلازم أقوالهم وهذا كثير في المتأخرين ولا يفرقون في إطلاق الأحكام بين النوع والعين ولا بين مسألة وأخرى وقد يكفّرون من لا يوافقهم على هذه الإنحرافات وقد جاء نعتهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) . رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد .
فأهل السنة وسط بين الخوارج والمرجئة فلا يكفرون أهل الكبائر مالم يستحلوا ذلك ولا يقولون بقول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب أو لا يكفر من أتى بمكفر حتى يستحل فهذا باطل بالكتاب والسنة والإجماع فمن سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر دون تقييد ذلك بالاستحلال وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد قال إسحاق بن راهويه . وقد أجمع العلماء على أن من سب الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئاً أنزله الله أو قتل نبياً من أنبياء الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر .
السؤال الرابع : ما حكم جلسة الاستراحة في الصلاة ؟
الجواب : جلسة الاستراحة سنة من سنن الصلاة في أصح قولي العلماء وقد جاء في صحيح البخاري من طريق خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً .
وموضعها في القيام من الأولى للثانية ومن الثالثة للرابعة . والمرأة في ذلك كالرجل .
وقد استحب فعلها إسحاق و الإمام الشافعي وكان الإمام أحمد رحمه الله لا يقول بذلك فرجع عن قوله وقال بما دل عليه حديث مالك بن الحويرث .
وقال النووي رحمه الله في المجموع : اعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يُواظب على هذه الجلسة لصحة الأحاديث فيها وعدم المعارض الصحيح لها ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها .
والقول الثاني في المسألة أنه لا يصح فعلها لغير حاجة وهذا قول أكثر العلماء وقالوا إنها لم ترد في أكثر الأحاديث وإنما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك للحاجة .
ويجاب عن هذا بأنه لم يثبت دليل على أنه صلى الله عليه وسلم فعلها للحاجة وراويها هو راوي حديث ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) . رواه البخاري . وذكره بعض أهل العلم في المتفق عليه ولا يصح .
السؤال الخامس : ما حكم رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة ؟
الجواب : تخصيص رفع اليدين للدعاء بعد الفرائض غير مشروع وليس له أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا أفتى به أحد من التابعين .
والأصل في العبادات المنع حتى يثبت دليل وكل من نقل صفة صلاته صلى الله عليه وسلم لم يذكر عنه أنه رفع يديه ودعا بعد الفريضة .
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) .
ولكن إذا عرض للمصلي عارض يقتضي الدعاء فدعا بعد الصلاة ورفع يديه ولم يقصد تخصيص هذا الوقت فهذا لا بأس به .
وقد جاء في الصحيحين من طريق مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال أتصلي للناس فأقيم ؟ قال نعم فصلى أبو بكر فجاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صافاً فأشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن أمكث مكانك فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ... ) . الحديث وفيه دليل على الدعاء ورفع اليدين في مثل هذه الحالات فقد فعل ذلك أبو بكر اجتهاداً وأقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا مؤكداً للحكم سواء كان داخل الصلاة أو خارجها والله أعلم .
الجلسة الرابعة
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 7 / 6 / 1421 هــ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما صحة حديث الصدقة تطفئُ غضب الرب ..؟
الجواب : هذا الحديث رواه الترمذي في جامعه وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الله بن عيسى الخزّاز عن يونس بن عُبيد عن الحسن البصري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . إن الصدقة لتطفىء غضب الرب وتدفع ميتة السوء )) .
وهذا الإسناد منكر .
عبد الله الخزاز منكر الحديث قاله أبو زرعة .
وقال النسائي ليس بثقة .
وقال ابن عدي . هو مضطرب الحديث وليس ممن يحتج به وقال العقيلي . لا يتابع على أكثر حديثه .
وجاء هذا الخبر بلفظ . إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين ميتة من السوء . رواه القضاعي في مسنده من طريق يزيد الرقاشي عن أنس ولا يصح .
السؤال الثاني : فضيلة الشيخ . ما تقولون في حديث ابن عمر قال . كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام ؟
الجواب : هذا الحديث معلول وقد رواه أحمد و الترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه كلهم من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر .
وظاهر هذا الإسناد الصحة وقد صححه أبو عيسى الترمذي وابن حبان وآخرون .
وفي ذلك نظر ولا يصح الاعتماد على ظاهر الإسناد وقد قال أبو عيسى الترمذي في كتابه العلل سألت محمداً عن هذا فقال هذا حديث فيه نظر .
وقال الإمام يحيى بن معين رحمه الله . لم يحدث بهذا الحديث أحد إلا حفص وما أراه إلا وهم فيه وأراه سمع حديث عمران بن حُدير فغلط بهذا .
وقد اختلف الفقهاء في حكم الشرب قائماً .
فقيل محرم ويجوز لعذر يمنع من القعود وهذا اختيار الإمام ابن القيم لحديث أنس في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً .
وفي رواية . نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب الرجل قائماً .
ورواه من حديث أبي سعيد الخدري .
وقيل هذا النهي منسوخ لحديث ابن عباس قال . سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما .
وفي صحيح البخاري من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النـزال قال : أتى عليّ رضي الله عنه على باب الرحبة فشرب قائماً فقال : إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت )) . وقيل تحمل أحاديث النهي على كراهة التنـزيه وأحاديث الجواز على بيانه وهذا قول الطبري والخطابي والحافظ ابن حجر .
وقيل بجواز الأمرين دون كراهة والشرب قاعداً أفضل لأنه الأكثر في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الصحيح . والله أعلم .
السؤال الثالث : هل يجوز للأب أن يجبر ابنه العاقل على الزواج بفتاة لا يريدها .
الجواب : ليس لأحد الأبوين أن يلزم الإبن على نكاح من لا يريد ولايحب لأن نتيجة هذا الزواج قد تكون الطلاق أو تصبح حياتهما ضرباً من النكد .
ولا يجب على الإبن طاعتهما في ذلك ولا يعتبر حينئذٍ عاقاً .
ولكن الواجب على الإبن أن يتلطف بالرفض ولا يرفع صوته عليهما ولا يُسمعهما قولاً سيئاً .
السؤال الرابع : هل تجوز حضانة الكافر على المسلم ؟
الجواب : لا تصح على الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم وذلك لأمور .
الأول : أنّ الطفل ينشأ في حضن الكافر فلا يؤمن أن يهوَّده أو ينصره أو يمجسه وهذا ضرر محض يجب اجتنابه وتفادي خطره .
الثاني : أن الحضانة من أقوى أسباب الموالاة بين الطفل وحاضنه والله تعالى قد قطع الموالاة بين عدوه ووليه فالكفار بعضهم من بعض والمؤمنون بعضهم أولياء بعض فلا تصح حينئذٍ حضانة عدو الله للطفل المسلم .
الثالث : قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } فقد نفى الله السبيل للكافر على المسلم .
وإذا وجد شيء من ذلك في دنيا الواقع فهو بخلاف الشرع ولا يجوز إقراره .
الرابع : أن احتجاج بعض الفقهاء بحضانة الكافرة للولد المسلم بحديث رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال رافع ابنتي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( اقعد ناحية ) وقال لها [ اقعدي ناحية ] .
وأقعد الصبية بينهما ثم قال ( ادعواها ) فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها .
فهذا الخبر رواه أبو داود من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان ورواه النسائي من طريق عبد الحميد بن سلمة الأنصاري عن أبيه عن جده .
وفيه نظر وقد أعله غير واحد بالاضطراب .
وقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله . إن هذا الحديث قد يُحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها وهذا يدل على أن كونها مع الكفار خلافُ هُدى الله الذي أراده من عباده ولو استقر جعلها مع أمها لكان فيه حجة بل أبطله الله بدعوة رسوله .
السؤال الخامس : فضيلة الشيخ ما تقولون في الحديث الوارد في دعاء الخروج من الخلاء . الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني .
الجواب : هذا الحديث لا يثبت فقد رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله ... الخ .
وإسماعيل بن مسلم متفق على تضعيفه وجاء نحوه من حديث أبي ذر مرفوعاً وموقوفاً وفيه اختلاف ولا يصح .
وفي الباب حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال . غفرانك . رواه الترمذي والبخاري في الأدب المفرد من طريق مالك بن إسماعيل عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة وإسناده حسن .
ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه من طريق يحيى بن أبي بكير .
وأبو داود من طريق هاشم بن القاسم كلاهما عن إسرائيل بلفظ كان إذا خرج من الغائط قال غفرانك .
السؤال السادس : ما درجة حديث ( ماء زمزم لما شرب له ) ؟
الجواب : هذا الحديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجة من طريق عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبـير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفيه ضعف فإن عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث قال الإمام أحمد رحمه الله . أحاديثه مناكير .
وقال أبو داود . منكر الحديث .
وقال ابن عدي . أحاديثه عليها الضعف بيّن .
وقال العقيلي في الضعفاء حين ذكر له هذا الخبر . لا يتابع عليه .
وروى الفاكهي في أخبار مكة عن معاوية رضي الله عنه قال . زمزم شفاء هي لما شرب له وقد حسنه الحافظ ابن حجر في جزء جمعه حول هذا الحديث .
وفي إسناده عند الفاكهي محمد بن إسحاق الصيني شيخ الفاكهي وهو كذاب قاله ابن أبي حاتم .
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم . إنها مباركة إنها طعام طُعم .
وروى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن ابن خُثَيم أو عن العلاء شك أبو بكر عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال كنا نسميها شُباعة يعني زمزم .
وكنا نجدها نعم العون على العيال .
ورواه ابن أبي شيبة والأزرقي والفاكهي في أخبار مكة .
وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : زمزم طعام طعم وشفاء سقم .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن خُثَيم أن مجاهداً كان يقول . هي لما شربت له يقول تنفع لما شربت له .
الجلسة الخامسة
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة المقسمة على علم الحديث والفقه والعقيدة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان ابن ناصر العلوان في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 11 / 6 / 1421 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما هو القول الصحيح في الحديث الوارد في الصلاة بعد الإشراق ؟
الجواب : هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك و أبو أمامة وابن عمر وعائشة وغيرهم ولا يصح من ذلك شيء .
فحديث أنس رواه الترمذي في جامعه من طريق عبد العزيز بن مسلم حدثنا أبو ظلال عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ) قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب )) أي ضعيف .
وأبو ظلال ليس بشيء قاله يحيى بن معين وضعفه أبو دواد والنسائي وابن عدي وغيرهم .
وحديث أبي أمامة رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن موسى بن علي عن يحي بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعاً .
وعثمان بن عبد الرحمن الحراني متكلم فيه بسبب روايته عن الضعفاء والمجاهيل .
وموسى بن علي ليس بمعروف .
والقاسم مختلف فيه وقد ضعفه جماعة بسبب الرواة عنه قال أبو حاتم : حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به وإنما ينكر عنه الضعفاء .
وتكلم فيه الإمام أحمد وضعفه الغلابي والعقيلي وابن حبان وقال يروي عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم المعضلات ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبة حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها .
وحديث ابن عمر ذكره ابن حبان في كتابه المجروحين من طريق الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعاً والأحوص ضعيف قاله أحمد بن حنبل وابن المديني ويحيى بن معين .
وحديث عائشة رواه أبو يعلى في مسنده وفيه جهالة ونكارة .
ولا أعلم حديثاً صحيحاً في الباب ولا ثبت عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا عن الأئمة المتبوعين من الأئمة الأربعة أن من جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين حضي بأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة .
ومثل هذا تتوافر الهمم والدواعي على نقله فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجلسون في المصلى حتى ترتفع الشمس ثم يقومون رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي خيثمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة .
وحين لا يذكرون الصلاة ولا الأجر المترتب على ذلك وهو من الأهمية بمكان ... فيه دليل على أنه لا أصل للأحاديث الواردة في الباب .
وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق منصور عن مجاهد أن عائشة كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى . وهذا إسناده صحيح وليس فيه ذكر للصلاة بعد الجلوس وكأن الأمر غير معروف في ذاك الجيل العظيم .
وذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الوليد بن مسلم قال رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض فأفاضوا في ذكر الله والتفقه في دينه .
والمنقول عن السلف في مثل هذا كثير مما هو دال ومؤكد على أن هذه الصلاة المذكورة بعد الشمس والأجر المترتب على ذلك ليس له أصل .
وهذا لا ينفي أن الصلاة بعد ارتفاع الشمس مشهودة محضورة والخبر في مسلم من حديث عمرو بن عبسة فهذا شيء وما نحن فيه شيء آخر والله أعلم .
السؤال الثاني : ما حكم الصلاة على الميت الغائب ؟
الجواب : الخلاف في هذه المسألة مشهور وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي حين توفي صلاة الغائب وخرج بأصحابه إلى المصلى فصفَّ بهم وكبر عليه أربعاً .
والحديث في البخاري ومسلم من طريق مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة .
فقالت طائفة يُصلَّى على كل ميت غائب وهذا مذهب الإمام الشافعي وأحمد في رواية واختار ذلك أبو محمد بن حزم رحمه الله .
وقالت طائفة أخرى . لا تصح الصلاة على الميت الغائب مطلقاً . وحديث أبي هريرة في صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي خاص به وليس لأحد أن يفعل مثل ما فعل وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد .
وقالت طائفة ثالثة . إذا مات الرجل الصالح صُلَّي عليه لصلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي وهذا منسوب للإمام أحمد رحمه الله ذكره عنه شيخ الإسلام كما في الاختيارات الفقهية وهو قول جماعة من متأخري العلماء .
والقول الرابع : أن الغائب إذا مات ببلد لم يُصلَّ عليه صُلي عليه صلاة الغائب كما هو الحال في صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يثبت أن صُلي عليه هناك ومثله الغريق والمفقود تحت هدم ونحوهما وإن صُلي عليه حيث مات لم تشرع صلاة الغائب عليه وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله في رواية واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وهو الصواب .
فقد توفي خلق كثير من أصحاب رسول لله صلى الله عليه وسلم . وهم غياب ولم يُصَلَّ عليهم .
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم _ وأصحابه متفرقون في البلدان _ ولم يثبت عن أحد منهم الصلاة عليه .
وتوفي الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون ولم يذكر عن أحد من الصحابة والتابعين الغُيّب صلاة عليهم ومن القواعد المهمة في هذا الباب أن ما تركه رسول الله صلى الله وسلم وأصحابه من العبادات مع وجود المقتضي للفعل وزوال المانع فإنه واجب الترك وفعله بدعة .
وضبط هذه القاعدة يجلَّي كثيراً من البدع .
وقد كتبت في هذه المسألة رسالة بأطول من تلك وبينت واقع بعض المسلمين اليوم من التوسع في الصلاة على الغائب ولا سيما أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم من العلمانيين وأئمة الضلال ودعاة الفساد فإنا لله وإنا إليه راجعون .
السؤال الثالث : ما صحة الحديث الوارد في افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ؟
الجواب : هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء من غير وجه وعن أكثر من صحابي .
وقد تكلم فيه بعض المتأخرين وأثار حوله بعض الإشكالات وليس هذا بشيء .
فالحديث محفوظ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعبن فرقة )) .
وهذا سند صحيح وقد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم .
وصح من حديث معاوية وفيه ( وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين . ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة . رواه أبو داود في سننه .
وفي الباب عن عوف بن مالك رواه ابن ماجه .
وعبد الله بن عمرو بن العاص رواه الترمذي بسند ضعيف .
وأنس بن مالك رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم في السنة .
وأبي أمامة رواه محمد بن نصر في السنة وابن أبي عاصم .
فهذه الأحاديث الثابتة تقتضي حتمية افتراق الأمة وأنه واقع لا محالة ولا ينجو من هذه الثلاث والسبعين فرقة غير واحدة وهي الجماعة فلا تزال منصورة ظاهرة حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى .
السؤال الرابع : ما تقولون في الحديث الوارد في لحوم البقر بأنها داء .
الجواب : هذا الخبر جاء بأسانيد منكرة عند الطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك .
ورواه أبو داود في المراسيل من طريق زهير بن معاوية حدثتني امرأة من أهلي عن مليكة بنت عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا مرسل ضعيف .
ولم يثبت في النهي عن لحم البقر شيء .
وقد أحل الله لعباده لحم البقر وامتن به عليهم فمن المحال أن يمتن الله على عباده بما هو داء وضرر عليهم قال تعالى { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر )) .
ولو كان لحمها داء لما جاز التقرب به لله فالذي يجب القطع به أن هذا الأثر باطل وليس لتصحيحه وجه معتبر وقد أجاد ابن الجوزي في قوله ( فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع فلا تتكلف اعتباره ) .
السؤال الخامس : ما تقولون في تقسيم الشرك إلى ثلاثة أقسام أكبر وأصغر وخفي ؟
الجواب : هذا التقسيم قاله طائفة من أهل العلم وفيه نظر والصحيح أن الشرك قسمان
1- أكبر 2- وأصغر .
والشرك الخفي منه ما هو أكبر كالنفاق الأكبر فإن المنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الشرك .
ومنه ما هو شرك أصغر وهذا مراتب متفاوتة وقد قرأت لبعض المتأخرين حين قسَّم الشرك إلى ثلاثة أقسام قال والشرك الخفي دون الأصغر .
وهذا الإطلاق بدون قيد غير صحيح وقد تقدم أن الشرك الخفي منه ما هو شرك أكبر وصاحبه لا تناله شفاعة الشافعين ولا رحمة أرحم الراحمين .
وقد كتب الله عليه الخلود في السعير قال تعالى { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } .
وقال تعالى { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة } .
والشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله .
والشرك الأصغر هو ما جاء في الأدلة الشرعية تسميته شركاً ولم يصل إلى الأكبر .
وقد قيل إن هذا الشرك لا يغفر فلا بدَّ أن يُعذّب صاحبه ولكنه لا يخلد في النار ذكر ذلك ابن مفلح في الفروع عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد أشار إلى هذه المسألة في رده على البكري .
والقول الثاني : أن صاحب هذا الشرك تحت المشيئة وهو قول عامة العلماء وهو الصحيح .
فإن الله تعالى يقول { إن الله لا يغفر أن يشرك به } أي الشرك الأكبر { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } يدخل فيه الشرك الأصغر . والله أعلم .
الجلسة السادسة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 14 / 6 / 1421 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما حكم بدأ اليهود والنصارى بالسلام ؟
الجواب : هذه المسألة محل اختلاف بين أهل العلم وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله . إن سلّمت فقد سلّم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون .
وقد جاء في صحيح مسلم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . لا تَبدَؤا اليهود ولا النصارى بالسلام . فإذا لقيتم أحدَهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه .
وهذا دليل على النهي عن بدأ أهل الكتاب بالسلام وإليه ذهب أكثر أهل العلم .
وروى عن ابن عباس وأبي أمامة جواز ذلك وتأول بعض أهل العلم النهي الوارد في ذلك على أن معناه ليس عليكم أن تبدؤهم .
وفيه نظر فالأصل عدم الإضمار .
والحديث قوي الدلالة على تحريم بدأ اليهود والنصارى بالسلام .
فإن السلام اسم من أسماء الله تعالى وصفته فلا يحيى به غير المسلم .
ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدَأ اليهود والنصارى بالسلام وقد كان يكتب إلى ملوكهم . سلام على من اتبع الهدى .
ولا مانع من تكنية الكافر ومخاطبته بكلام غير السلام مع الحذر من الألفاظ الدالة على رضاه بدينه كقول بعض الجهّال متعك الله بدينك .
السؤال الثاني : هل تجوز عيادة أهل الكتاب ؟
الجواب : في هذه المسألة اختلاف بين الفقهاء فقيل تجوز مطلقاً وقيل تحرم وقيل تجوز العيادة بقصد دعوته وعرض الإسلام عليه .
وهذا توسط في المسألة فلا يصح المنع مطلقاً لأنه لم يرد في ذلك دليل بل هو خلاف الأدلة الصحيحة .
والقول بالجواز مطلقاً فيه شيء من النظر فلم يبق إلا جواز عيادته إذا كان يعرض عليه الإسلام أو يرتجيه .
وقد جاء في صحيح البخاري من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال . كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمَرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له . أسلم . فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم . فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول . الحمدلله الذي أنقذه من النار .
وهذا الحديث فيه فوائد .
الأولى : حُسنُ خُلقه صلى الله عليه وسلم .
الثانية : حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق .
الثالثة : أن اليهود إذا مات على يهوديته كافر مخلد في النار وهذا لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم قال النبي صلى الله عليه وسلم . والذي نفسي بيده لاَ يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة
الرابعة : عيادة اليهودي إذا رجيت المصلحة . قال أبو داود رحمه الله سمعت الإمام أحمد سئل عن عيادة اليهودي والنصراني ؟ قال إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام فنعم .
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم لأبي طالب ياعم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما والله لأستغفرنّ لك مالم أُنه عنك فأنزل الله تعالى فيه { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى .. } .
والحديث فيه دليل على عيادة القريب المشرك إذا رُجي إسلامه قال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل المسلم يعود أحداً من المشركين ، قال : إن كان يرى أنه إذا عاده يعرض عليه الإسلام يقبل منه فليعده كما عاد النبي صلى الله عليه وسلم الغلام اليهودي فعرض عليه الإسلام .
السؤال الثالث : ما هو القول الصحيح في حكم الساحر ؟
الجواب : السحر بكل أنواعه محرم في كل الشرائع ومجمع على تحريمه وتحريم تعلمه .
وهو يخالف ما جاءَت به الرسل ويعارض ما أنزلت من أجله الكتب .
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الساحر كافر يجب على وليّ الأمر قتله .
قال تعالى { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ... } .
وقال { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } أي بعمل السحر فثبت أن هذا كفر .
وذهب أكثر فقهاء الشافعية إلى أن الساحر لا يكفر إلا إذا اعتقد إباحة السحر أو اعتقد مثل ما يعتقده أهل بابل من التقرب للكواكب السبعة .
وفيه نظر ولا دليل على اشتراط الاعتقاد .
والصحيح أن الساحر كافر سواء اعتقد تحريمه أو لم يعتقد فمجرد عمل السحر كفر وهذا ظاهر الأدلة وليس في النصوص الأخرى ما يعارضها .
وحين يثبت وصف السحر على شخص ما فإنه يقتل وجوباً فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان .
السؤال الرابع : ما الحكم فيمن حلف أن لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً ؟
الجواب : من حلف أن يفعل كذا وكذا فنسيه أو حلف أن لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً بأنه المحلوف عليه فلا حنث عليه ويمينه باقية .
وقيل إن حلف على نفسه أو غيره يقصد منعه أن لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً حنث في الطلاق والعتاق دون اليمين بالله تعالى .
وفيه نظر ولا دليل على هذا الاستثناء .
والصحيح القول الأول وأنه لا يحنث بالجهل والنسيان ويمينه باقية قال تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } .
وإن حلف بالله إن فعلت كذا وكذا فامرأتي طالق أو فعليّ صيام شهر أو عليّ الحج ، فهذه الأيمان فيها للعلماء مذاهب .
1- قيل إذا حنث لزمه ما حلف به .
2- وقيل لا يلزمه شيء .
3- والقول الثالث تجزئه كفارة يمين وهذا أقرب الأقوال إلى الدليل واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية لأن الله يقول { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } .
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إني واللهِ إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ) .
السؤال الخامس : هل صح قتل الوزغ باليد ؟ وهل ثبت في قتله أجر ؟
الجواب : قتل الوزغ مشروع بأدلة كثيرة وذلك بألة ونحوها وليس في شيء من الروايات تخصيص اليد أو الندب إلى قتله باليد المباشرة ولا أظن ذلك صحيحاً ولا وارداً فمثل هذا بعيد عن هدي الإسلام ومعالي الأخلاق .
وفي الصحيحين وغيرهما من طريق سعيد بن المسيب أن أم شريك أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزاغ وفي رواية البخاري قال ( كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام .
وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسمّاه فويسقاً .
وقتل الوزغ في أول ضربة أكثر أجراً وثواباً من قتله في المرة الثانية جاء هذا في صحيح مسلم من طريق خالد بن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قتل وزَغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة . ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية ) .
الجلسة السابعة
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة في الحديث والفقه أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 1 / 3 / 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : فضيلة الشيخ ما هو القول الراجح في كيفية صلاة الاستسقاء هل تقدم الخطبة على الصلاة كهيئة صلاة الجمعة أم تقدم الصلاة على الخطبة كهيئة صلاة العيدين ؟
الجواب : اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين .
الأول : تقديم الصلاة على الخطبة وهذا مذهب مالك ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال . خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا وحوّل وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ثم قلب رداءَه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن . رواه ابن ماجة وابن خزيمة وغيرهما من طريق النعمان بن راشد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وسنده ضعيف وقد أخطأ في هذا الحديث النعمان وذكره عن الزهري على غير وجهه .
وقد قال الإمام ابن خزيمة في صحيحه ( في القلب من النعمان بن راشد فإن في حديثه عن الزهري تخليطاً كثيراً .
واحتج أصحاب هذا القول بروايات أخرى بعضها صحيح ولكنه غير صريح الدلالة على تقديم الصلاة على الخطبة ، والبقية أحاديث ضعيفة لا يصح الاحتجاج بشيء منها .
القول الثاني : تقديم الخطبة على الصلاة كالجمعة وهو عمل أهل المدينة في القديم ، وقال به الليث بن سعد وأحمد في رواية عنه والإمام بن حزم وهو ظاهر الأدلة الصحيحة قال عبد الله بن زيد رضي الله عنه . خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فتوجه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءَه ثم صلى ركعتين جهر بهما في القراءَة . رواه البخاري ومسلم وقد ترجم له النسائي في سننه ( باب الصلاة بعد الدعاء ) وترجم له ابن خزيمة في صحيحه ( باب الخطبة قبل صلاة الاستسقاء ) .
وروى أبو داود في سننه من طريق يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت . شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه . قالت عائشة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر صلى الله عليه وسلم وحمد الله عز وجل ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه ، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم . ثم قال : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد . اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين . ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حوّل إلى الناس ظهره وقلب رداءَه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين .... الحديث . قال عنه أبو داود هذا حديث غريب إسناده جيد وأهل المدينة يقرؤون ( ملك يوم الدين ) وهذا الحديث حجة لهم ) .
والحديث فيه دلالة على تقديم الخطبة على الصلاة خلاف المعمول به في هذه العصور من تقديم الصلاة على الخطبة .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز التقديم والتأخير بلا أولوية . وفيه نظر فقد دلت السنة الصحيحة على أنه صلى الله عليه وسلم يقدم الاستغفار والدعاء على الصلاة فالعمل بذلك أتبع وأقرب إلى الحق .
السؤال الثاني : هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد يوم للخروج إلى صلاة الإستسقاء .
الجواب : جاء في سنن أبي داود بسند لا بأس به من حديث عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوماً يخرجون فيه قالت عائشة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس .. الحديث ودلالته ظاهرة على تحديد يوم للخروج إلى صلاة الاستسقاء ... غير أنه لم يثبت تسمية هذا اليوم وقد استحب غير واحد من أهل العلم تحديد يوميّ الإثنين والخميس لأن الأعمال تعرض فيهما على الله تعالى ولأنهما وقت فضيلة للصيام فيجمع المسلمون بين الصيام والاستسقاء فيكون الدعاء حينئذٍ أقرب للإجابة .
ويحتمل عدم مشروعية تقصد هذين اليومين دون بقية الأيام لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة وهذا هو الصواب فلا يشرع تقصد يوم دون آخر بدون نص فالمشروع هو تحديد يوم يخرجون فيه فقد يوافق يوم الإثنين وقد يوافق يوماً آخر مراعاة لمصالح الناس وحاجاتهم .
السؤال الثالث : ما حد الغيبة وما حكمها ؟
الجواب: الغيبة هي أن يذكر الإنسان عيب أخيه المسلم في غيبته بما يكرهه لو بلغه من غير حاجة لذلك.
فقولي : أن يذكر عيب أخيه . هذا يخرج الحديث عن الغير بالمدح والثناء .
وقولي : المسلم : يخرج بذلك الكافر فلا غيبة له .
وقولي : في غيبته . أخرج بذلك الحاضر فالحديث عنه لا يسمى غيبة في أصح قولي العلماء .
وقولي : بما يكرهه لو بلغه . خرج بذلك ما رضي به .
وقولي : من غير حاجة لذلك . خرج بذلك ما كان لمصلحة شرعية كالتحذير من المبتدع لتتقى بدعته .
ويجب في ذلك مراعاة أمور .
الأول : الإخلاص لله تعالى وإرادة وجهه .
الثاني : مراعاة المصلحة في ذلك .
الثالث : أن يكون الحديث مقصوراً على موضع الزلل دون تجاوزه إلى غيره بدون فائدة .
وقد اتفق العلماء على تحريم الغيبة بدون مصلحة وجزم أكثرهم على أنها من الكبائر وهي مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض فمن اغتاب عالماً ليس كمن اغتاب جاهلاً قال تعالى { ... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } .
وفي صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال [ ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال [ إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) .
وروى أبو داود في سننه من طريق نوفل بن مساحق عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ) .
وقال صلى الله عليه وسلم ( إن دماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ) .متفق عليه من حديث أبي بكرة .
ومن أقبح أمور الغيبة وأشدّها حرمة تنقص المسلم واحتقاره وازدراؤه وبذل الجهد في إهانته وإسقاط حرمته والنيل من عرضه . فهذا الخلق الذميم والداء العظيم كبيرة من كبائر الذنوب وصاحبه معرض للوعيد والبطش الشديد .
السؤال الرابع : توفي رجل عن زوجة حامل فوضعت قبل أن يُغسَّل فهل يجوز للمرأة أن تليه في الغسل ؟
الجواب : حين وضعت المرأة أصبحت أجنبية عن الزوج فيحرم عليها تغسيله .
فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تغسل المرأة زوجها ما دامت في عصمته كأن يموت عنها حاملاً وغسلته قبل الوضع أو لم تكن حاملاً فتغسله ما دامت في العدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام وأما حين وضعت قبل أن تغسله فيحرم عليها تغسيله فقد أصبحت أجنبية وحلّت للخطاب باتفاق أهل العلم .
قال تعالى { وَأُولاَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وحكى ابن المنذر الإجماع على أن عدة الحامل أن تضع حملها ... وحينئذٍ يسقط الإحداد عنها فلها أن تتزوج وتتجمل بما شاءَت .
السؤال الخامس : ما تقولون في حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ؟
الجواب : هذا الحديث رواه النسائي في عمل اليوم والليلة وابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني في الكبير وغيرهم من طريق محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وإسناده لا بأس به وقد صححه ابن حبان في كتاب الصلاة والمنذري وابن عبد الهادي وابن كثير .
وقد بالغ ابن الجوزي فأورده في كتابه الموضوعات ولا يوافق على ذلك .
والحديث تفرد به محمد بن حمير عن الألهاني .
وهذا يحتمل التعليل ولا سيما أن الفسوي رحمه الله قال . محمد بن حمير ليس بالقوي .
وخالفه ابن معين فقال ثقة وقال الإمام أحمد . ما علمت إلا خيراً . وقال النسائي ليس به بأس .
والحديث جيد الإسناد وليس من صحاح الأخبار ومثله يقبل وذلك لأمور .
الأول : أن الإمام النسائي رحمه الله رواه ولم يعله وأورده في المختارة وصححه .
الثاني : أن الحديث ليس من أصول الأحكام .
الثالث : أن تفرد الصدوق بالحديث يقبل إذا دلت قرينة على ضبطه وتفرد محمد بن حمير من هذا ، وقد جاء للحديث شواهد من حديث المغيرة ابن شعبة وأبي مسعود وعلى بن أبي طالب ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم .
السؤال السادس : فضيلة الشيخ سمعت من بعض العامة أنّ أم الأولاد لا تطلق فهل يصح هذا وهل قال به أحد من أهل العلم ؟
الجواب : هذا الكلام من الهذيان وليس له أصل في الشرع ولا أظن عالماً أو طالب علم يفتي بمثل هذا الباطل وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الرجل إذا طلق زوجته صغيرة أو متوسطة العمر أو من القواعد في طهر لم يمسها فيه أو حاملاً قد تبين حملها أنها تطلق قال تعالى في المطلقات ذوات الحيض { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .
وقال تعالى في المطلقات اللاتي انقطع عنهن الحيض { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ... } وقال بعد ذلك في المطلقات ذوات الحمل { وَأُولاَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ...} .
فإن كانت الطلقة الثالثة فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ، وإن كانت الأولى أو الثانية فيشهد شاهدين ويراجعها وقد روى أبو داود في سننه من طريق يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين . سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال : طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة . أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُدْ .
الجلسة الثامنة
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته وقد تم تفريغها وعرضها عـلى الشيـخ بتاريخ 11 / 3 / 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : شخص طلق زوجته طلاقاً رجعياً وقبل أن تنقضي عدتها أراد مراجعتها فهل يجب رضاها بذلك ؟
الجواب : لا يلزم رضاها فالزوج يملك رجعتها ما دامت في العدة رضيت أو لم ترض ولا أعلم في ذلك خلافاً .
وقد ذكر ابن المنذر رحمه الله في كتابه الإجماع أن العلماء متفقون على أن الرجعة إلى الرجل ما دامت في العدة وإن كرهت ذلك المرأة .
غير أنه يحرم على الزوج أن يرتجعها ليضرَّ بها أو كي تفتدي منه بعوض قال تعالى { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ } وقال تعالى { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
وكما أن هذا الإضرار محرم على الرجال هو أيضاً محرم على النساء فمن المحرمات أن تؤذي المرأة زوجها وتسيء معاملته وتمنع منه نفسها كي يطلقها بدون عوض فلا يشاق أحدهما الآخر .
فإذا أبغض الرجل زوجته فليمسكها بالمعروف أو يطلقها بإحسان وإذا كرهت المرأة زوجها وأبغضته ولم تقم بحقه ولم تقدر على معاشرته فلها أن تفتدي منه بما أعطاها دون أذيته وتوليد العداوات .
وقد جاء في صحيح البخاري من طريق خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله . ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلُق ولا دين ولكنّي أكرهُ الكفرَ في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته . قالت نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة .
وفي رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تردين عليه حديقته فقالت نعم فردّت عليه وأمره ففارقها .
وأصح قولي العلماء أن الخلع فسخ وليس بطلاق فتعتد المرأة بحيضة واحدة . وهذا قول أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وابن عمر وابن عباس وقال به إسحاق وأحمد في رواية واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم .
السؤال الثاني : ما حكم الوضوء من لحوم الإبل ؟
الجواب : ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالوضوء من لحوم الإبل وجاء هذا في صحيح مسلم من طريق جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ . قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم ، فتوضأ من لحوم الإبل .
وجاء نحوه من حديث البراء بن عازب رواه أحمد وأبو دواد والترمذي وابن ماجة وابن الجارود وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر .
وهذا مذهب ابن عمر وأفتى به محمد بن إسحاق وإسحاق والإمام أحمد وقال . فيه حديثان صحيحان حديث البراء وحديث جابر بن سمرة .
وقال بذلك الإمام ابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم .
بينما ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الوضوء من لحوم الإبل غير واجب وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وذكره ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سويد بن غفلة وعطاء وطاووس ومجاهد .
وذكره بعض أهل العلم عن الخلفاء الراشدين وهذا فيه نظر فلا يصح عن أحد منهم أنه أسقط الوضوء من لحوم الإبل .
وقد احتج أهل هذا المذهب بما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق شعيب بن أبي حمزة عن محمد ابن المنكدر عن جابر بن عبد لله قال : كان آخرُ الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ممّا مست النار .
وهذا الخبر لا يصح الاحتجاج به على الرخصة في ترك الوضوء من لحوم الإبل وذلك لوجهين :
الأول : أنه عام ويمكن تخصيصه بحديثي البراء وجابر بن سمرة ولا سيما إذا عُلم أن الوضوء مما مست النار كان واجباً .
الثاني : أن هذا الخبر معلول ولا يصح متنه وهذا قول أهل هذا الشأن قال الإمام أبو حاتم رحمه الله : هذا حديث مضطرب المتن إنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ولم يتوضأ كذا رواه الثقات عن محمد بن المنكدر عن جابر ويحتمل أن يكون شعيب حدّث به من حفظه فوهم فيه .
وقال الإمام أبو داود رحمه الله في سننه وهذا اختصار من الأول يعني حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ .
وذكر نحو هذا الإمام ابن حبان رحمه الله .
السؤال الثالث :ما حكم لبس خاتم الذهب للرجال ؟
الجواب : خاتم الذهب محرم على الرجال في قول أكثر أهل العلم وقد جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب .
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنـزعه فطرحه وقال : يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده . فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ خاتمك انتفع به قال : لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان الخاتم يلبس للخطوبة فهو أشد إثماً وأعظم ضلالاً فإن اللابس يجمع بين ذنبين كبيرين :
الأول : ارتكاب النهي الصريح الصحيح في نهي الرجال عن لبس الذهب وتحليهم به .
الثاني : التشبه بالنصارى والمشابهة في الظاهر تورث المودة في الباطن وهذا بلاء عظيم وداء قبيح .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال .من تشبه بقوم فهو منهم رواه أحمد من حديث ابن عمر .
وقد بلغني عن مجموعة من الجهّال أنهم يلبسون الخاتم دفعاً للعين واعتقاداً أنه يؤلف بين الزوجين ويكفيهما عين كل حاسد وهذا جهل بالدين وبتوحيد رب العالمين قال تعالى { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .
وقال تعالى { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } .
وكل من جعل من الأشياء سبباً لجلب نفع أو دفـع ضر ولم يدل على ذلك دليل شرعي ولا قدري فقد أشرك بالله وهذا الشرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر على حسب قصد لا بسها نسأل الله السلامة والعافية .
السؤال الرابع : فضيلة الشيخ ما هي الفوائد المستفادة من قـولـه صلى الله عليه وسلم ( غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث قال كاد يقتله العطش فنـزعت خفها فأوثقته بخمارها فنـزعت له من الماء فغفر لها بذلك ) .
الجواب : هذا الحديث متفق على صحته من حديث أبي هريرة وفيه دروس وعبر ومعاني وعلوم وإليك أهم المهمات من المعاني والفوائد .
1- سعة رحمة الله تعالى قال تعالى { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } .
2- فيه معنى قوله تعالى { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ } .
3- فيه الرد على الخوارج المكفرين بمطلق الذنوب .
4- فيه إثبات صفة المغفرة لله تعالى والرد على المعطلة .
5- فيه مشروعية الإحسان إلى الدواب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء .. الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه .
6- فيه أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر وقد جاء في صحيح البخاري من طريق مالك عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غُصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له .
7- فيه عدم اليأس من رحمة الله وعفوه فقد سبقت رحمة الله غضبه صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم .. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة .
8- فيه قبح الزنا وعظيم حرمته وقد قال تعالى { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } .
9- فيه أن الله يرحم من عباده الرحماء وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) .
10- فيه مشروعية إبهام اسم الزانية والزاني حيث قال صلى الله عليه وسلم ( غفر لامرأة ) فلم يذكر اسمها ولا قبيلتها حيث لا فائدة من ذلك .
السؤال الخامس : ما هي آخر مدة النفاس ؟
الجواب : في ذلك خلاف بين أهل العلم .
1- فقال أكثر أهل العلم إن أكثر النفاس أربعون يوماً فإذا تجاوز الدم ذلك فهو استحاضة إلا إذا صادف عادة حيضها وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في رواية وهي المشهورة من مذهبه وحكاه الترمذي في جامعه عن سفيان وابن المبارك وإسحاق وأكثر أهل العلم .
2- وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية أكثره ستون يوماً .
3- وقال الحسن البصري تجلس أربعين يوماً إلى خمسين فإن زاد فهي استحاضة .
4- وقيل غير ذلك من الأقوال وهي اجتهادات ليس على شيء منها دليل صحيح إلا القول الأول فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال . النفساء تنتظر نحواً من أربعين يوماً . رواه ابن الجارود في المنتقى .
وقد روى أحمد و أبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق مسة الأزدية عن أم سلمة قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف .
وهذا الإسناد مختلف فيه وقد ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام والإمام ابن حزم . وصححه الحاكم وحسنه النووي وغيره .
قال ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار ليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال بالأربعين فإنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مخالف لهم منهم . وسائر الأقوال جاءَت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم والنفس تسكن إليهم فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل . وهذا القول هو الصواب وذلك لأمور :
الأول : أنه قول الصحابة ولا مخالف لهم .
الثاني : أنه لا بد في المسألة من تحديد أيام تجلس فيها النفساء ولا يمكن تجاوز قول الصحابة إلى غيرهم .
الثالث : أنه قول الأطباء وهم من أهل الاختصاص في معرفة الدم فاتفق قولهم مع رأي ابن عباس وقول أكثر أهل العلم .
وأما أقل النفاس فلا حدَّ لـه في قول أكثر أهل العلم فإذا رأت النفساء الطهر وهو انقطاع الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي .
وقد ذكر الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله في جامعه إجماع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَنْ بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي .
الجلسة التاسعة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 30/1/1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : فيه رجل يريد أن يتزوج ابنته من الزنا فما حكم ذلك ؟
الجواب : هذا محرم ومنكر من الفعل وقد أنكره أكثر أهل العلم وشدّد فيه الإمام أحمد رحمه الله وقال في الرجل يزني بامرأة فتلد منه ابنة فيتزوجها فاستعظم ذلك وقال يتزوج ابنته !!! عليه القتل .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : مذهب الجمهور من العلماء أنه لا يجوز التزوج بها وهو الصواب المقطوع به .. ) .
وقال ابن القيم رحمه لله في زاد المعاد ( وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماءِ الزاني دلالة الأولى والأحرى ، لأنه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذّت بلبن ثارَ بوطئه ، كيف يحل له أن ينكح من قد خُلق من نفس مائه بوطئه !! وكيف يحرّم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سبباً فيه ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائه !! . هذا من المستحيل فإن البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائه أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية .
والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة من مائه فنصفها أو أكثرها بعضه قطعاً ، والشطر الآخر للأم . وهذا قول جمهور المسلمين ولا يعرف في الصحابة من أباحها ... ) .
وقد جاء عـن بعض أهل العلم جواز نكاح البنت من الزنا باعتبار أنها ليست بنتاً في الشرع ودليل ذلك أنهما لا يتوارثان . وهذا ضعيف فإن النسب تتبعض أحكامه وأمثلته كثيرة .
وكونهما لا يتوارثان لا يعني جواز النكاح بينهما بدليل البنت من الرضاع لا يجوز نكاحها بالإجماع وهما لا يتوارثان بالإجماع .
وقد قال تعالى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } والآية عامة في كل من شمله لفظ البنت .
ولم يثبت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من الصحابة نقل هذا العموم عن عمومه فشمل كل بنت من نكاح أو زنا .
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على تحريم الأم على ابنها من الزنا فأيّ فرق بين هذه الصورة وبين البنت مع والدها فالبنت بعضها من الأب والإبن كذلك بعضه من الأم فلا فرق بين المسألتين .
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة جريج حين استنطق الولد المخلوق بماء حرام فقال من أبوك قال : راعي الغنم ) .
وهذا فيه دلالة صريحة على نسبة ابن الزنا لأبيه وأما حديث ( لا يحرم الحرام إنما يحرم ما كان بنكاح حلال ) فهو حديث مـنكر رواه ابن عدي في الكامل والدار قطني والبيهقي وغيرهم وقد تفرد به عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك الحديث وقد نقل عن ابن معين أنه كذّبه وقال الإمام أبو حاتم رحمه الله . هذا حديث باطل .
السؤال الثاني : مــا تقولون في مسـافر يصلي خلف مقيم ؟
الجواب : لا مانع من كون المسافر يصلي خلف المقيم سواء اختلفت هيئة الصلاة أم لا . واختلاف النية غير مؤثر غير أن المسافر إذا أدرك مع الإمام دون الركعة فإنه يصلي قصراً .
مثال ذلك : مسافر أدرك مع الإمام التشهد الأخير من صلاة الظهر فحينئذٍ يصلي الظهر ركعتين ، فهذه صلاته إذا لم يدرك ركعة فأكثر .
وأما إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة فأكثر فإنه يتم وجوباً وهذا مذهب أكثر أهل العلم وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما .
وفي صحيح مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي قال سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أُصل مع الإمام فقال ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
وفي صحيح مسلم من طريق نافع قال كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً وإذا صلاّها وحده صلى ركعتين .
وروى البيهقي في السنن من طريق سليمان التميمي عن أبي مجلز قال قلت لابن عمر : المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم يعني المقيمين أتجزيه الركعتان أو يصلي بصلاتهم ؟ قال فضحك وقال يصلي بصلاتهم .
وإذا اختلفت هيئة الصلاة كأن يصلي المسافر صلاة المغرب خلف مقيم يصلي العشاء فإنه حينئذٍ يجلس بعد الثالثة .
وهل يكمل صلاته وينصرف أم ينتظر الإمام حتى يتم صلاته ويتشهد معه ويسلم ؟
لكل من هذين القولين احتمال والأقرب في نظري الاحتمال الثاني وهو الانتظار .
وإذا كان العكس كأن يصلي المسافر صلاة العشاء خلف مقيم يصلي المغرب ، فالذي يظهر لي في هذه المسألة أنه يصلي ركعتين ويجلس حتى يتم الإمام صلاته ويتشهد ويسلم معه والله أعلم .
السؤال الثالث : ما الحكم في رجل دخل عليه وقت صلاة الظهر وسافر فهل له القصر؟
الجواب : إذا دخل عليه وقت الصلاة وخرج من البلد فإنه يصلي صلاة مسافر وهو قول الجمهور كأبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد ، لأن الحكم للمكان لا للزمان .
وقيل ليس له القصر لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد وهذا القول فيه ضعف وينتقض بما لو دخل عليه الوقت في السفر ولم يصل حتى رجع إلى بلده فإنه يصلي صلاة مقيم عند الحنابلة وغيرهم فبان أن الحكم للمكان لا للزمان فحيثما صلى اعتبر مكانه فإن صلى في السفر فإنه يصلي صلاة مسافر وإن صلى في الحضر صلى صلاة مقيم .
السؤال الرابع : ما تقولون في رجل عدم الماء فتيمم وصلى وحين فرغ من صلاته وجد الماء ؟
الجواب : الصحيح في هذه المسألة أن الصلاة مجزئة وهـو قـول أكثر أهل العلم و إليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد .
وذهب ابن سيرين والزهري وغيرهما إلى أنه يعيد الصلاة ما دام في الوقت .
والصحيح مذهب الجمهور فقد سقط الفرض بالتيمم حين العجز عن الماء وقد اتقى المصلي ربه وعمل بالبدل حين تعذر الأصل وهذا المشروع في حقه ولا يلزم إعادة الصلاة مرة ثانية لأن هذا غير مشروع وقد ورد النهي عن ذلك فروى أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة عن ابن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تصلوا صلاة في يوم مرتين ) .
وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي الزناد قال كان من أدركت من فقهائنا الذين يُنتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب فذكر الفقهاء السبعة من المدينة وذكر أشياء من أقاويلهم وفيها وكانوا يقولون من تيمم فصلى ثم وجد الماء وهو في وقت أو في غير وقت فلا إعادة عليه ويتوضأ لما يستقبل من الصلوات ... ) .
وروى أبو داود في سننه من طريق عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمّما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يُعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك لـه فقال للذي لم يُعد : أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين .
قال أبو داود رحمه الله . وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ هو مرسل .
السؤال الخامس : فضيلة الشيخ إذا صلت المرأة صلاة الجمعة خلف الإمام في المسجد فهل تصلي ركعتين كصلاة الإمام أم أنها تتم أربعاً بعد سلام الإمام ؟
الجواب : ذكر الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع أن العلماء مجمعون على أن النساء إذا حضرن الإمام فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن .
وإذا أدركت من صلاة الجمعة ركعة فلتصل إليها أخرى وتصح صلاتها وإذا لم تدرك ركعة أو صلت في بيتها فلتصل أربعاً .
وقد جاء عن عبد الله بن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا أدركتَ من الجمعة ركعة فأضف أخرى وإن أدركتهم جلوساً فصل أربعاً .
وحكى ابن المنذر الإجماع على أن من فاتته الجمعة من المقيمين أنهم يصلون أربعاً .
وجاء عن أبي حنيفة وجماعة من أهل العلم أنه إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام فإنه يصلي ركعتين وإذا لم يدرك الإمام في صلاته فإنه يصلي أربعاً باتفاقهم .
السؤال السادس : ما حكم السجود للسهو وما هي مواضعه ؟
الجواب : السجود للسهو في نقص أو زيادة أو شك واجب في أصح قولي العلماء فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به .
والأصل في الأمر أن يكون للإجاب مالم يصرفه صارف .
وقد سجد النبي صلى الله عليه وسلم تارة قبل السلام وتارة بعده .
فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله السجود كله بعد السلام .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله . كله قبل السلام .
وفصّل في ذلك الإمام مالك فقال إذا كان السهو عن نقص في الصلاة فيسجد قبل السلام وإذا كان عن زيادة في الصلاة فيسجد بعد السلام ولا خلاف في مذهب مالك أنه لو جعل السجود كله قبل السلام أو كله بعد السلام لم يكن عليه شيء وهذا مذهب أكثر أهل العلم .
وأما مذهب الإمام أحمد رحمه الله فقد اختلفت الروايات عنه فقيل قبل السلام كمذهب الشافعي وعنه بعد السلام وعنه كمذهب الإمام مالك .
وعنه يسجد قبل السلام في كل شيء إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد بعد السلام وقال لولا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد بعد السلام لرأيت السجود كله قبل السلام لأنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام وهذا مذهب قوي لأنه مبني على الأصل غير أنه لا بأس بالسجود قبل السلام في سهو محله بعد السلام ويمتنع العكس لأنه لا يخرج عن الصلاة قبل أن يقضي ما عليه فإن فعل صحت صلاته على الصحيح .
ومواطن سجوده صلى الله عليه وسلم بعد السلام ثلاثة :
1- سجد بعد السلام حين خرج من الصلاة قبل إتمامها وحديث هذه المسألة في الصحيحين من رواية أبي هريرة في قصة ذي اليدين .
2- وسجد صلى الله عليه وسلم بعد السلام حين زاد ركعة ولم يعلم بها حتى سلم من صلاته جاء هذا في حديث ابن مسعود في الصحيحين .
3- وقال صلى الله عليه وسلم . إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم ثم يسلم ثم يسجد . جاء هذا في الصحيحين من حديث ابن مسعود .
ولا تنافي بين هذا وبين حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم .
فهذا محمول على من بنى على اليقين وحديث ابن مسعود فيمن تحرى وبنى على غلبة الظن .
فالإمام يبني على غلبة الظن ويسجد بعد السلام .
والمنفرد يبني على اليقين ويسجد قبل السلام .
والفرق بينهما أن الإمام يجد من ينبهه ويرشده إلى الصواب وحينئذٍ فالأفضل في حقه أن يبني على غلبة الظن . بخلاف المنفرد فيبني على اليقين وهو الأقل حتى يخرج من الصلاة بيقين والله أعلم .

9adim
21-Mar-2007, 10:25 PM
الجلسة العاشرة

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتمّ تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 2 ، 4 ، 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما حكم النوم بعد صلاة العصر وما درجة الحديث الوارد في النهي عن ذلك ؟
الجواب : لا بأس بالنوم بعد صلاة العصر ولا حرج في ذلك فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة نهي عن ذلك والأصل الإباحة .
ولا حرام إلا ما حرّمه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم .
ومن حكم على أمر ما بالتحريم أو الإيجاب بدون دليل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله .
والحديث المشهور ( من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومنّ إلا نفسه ) ليس له سند ثابت .
وقد رواه أبو يعلى وغيره من حديث عائشة وروي من حديث عبد الله بن عمرو وأورده ابن الجوزي في الموضوعات .
وقد قيل لليث بن سعد . تنام بعد العصر وقد روى ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . فذكر الخبر .
فقال الليث : لا أدع ما ينفعني لحديث ابن لهيعة .
السؤال الثاني : ما صحة حديث . لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ؟
الجواب : هذا الحديث رواه أبو داود في سننه من طريق سليمان بن معاذ التميمي عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله .
وهذا إسناد ضعيف . فيه سليمان بن قرم بن معاذ تكلم فيه الأئمة . فقال ابن معين : ضعيف .
وقال أبو زرعة : ليس بذاك .
وقال النسائي : ليس بالقوي .
وروى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال . ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً ) .
وهذا لا يصح أيضاً وقد ضعفه ابن منده في كتابه الرد على الجهمية ، وقال . وذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل بوجه الله واستعاذ بوجه الله وأمر من يُسْأل بوجه الله أن يُعطي .. من وجوه مشهورة بأسانيد جياد ورواها الأئمة عن عمار بن ياسر وزيد بن ثابت وأبي أسامة وعبد الله بن جعفر وغيرهم .
وهذا هو الصواب والأصل جواز السؤال بوجه الله الجنة وغيرها ولا يصح الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح والله أعلم .
السؤال الثالث : فضيلة الشيخ . ما تقولون في الحدود هل هي كفارات أم لا ؟
الجواب : الصحيح أن الحدود كفارات وهو مذهب الشافعي وأحمد وجماهير العلماء وقد دل على ذلك حديث عبادة المتفق على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( با يعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه )) .
وفي رواية لمسلم ( ومن أتى منكم حداً فأقيم عليه فهو كفارته ) وهذا صريح في أن الحدود كفارات .
فإن قيل جاء في مستدرك الحاكم من طريق عبد الرازق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا .
فيقال هذا الخبر لا يصح وقد أعله البخاري والدارقطني والصحيح إرساله .والعمل عند أكثر أهل العلم على حديث عبادة .
وظاهره أن الحدود كفارات ولو لم يتب من الذنوب .
فإن الحد مطهر للذنب وهذا قول جماعة من العلماء وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين وهو مذهب الشافعي وأحمد وابن جرير الطبري .
وقال جماعة من العلماء . الحدود ليست كفارة ما لم تقترن بالتوبة والأول أصح .
وقد استثنى بعض العلماء حق المقتول فقال إنه لا يسقط باستيفاء الوارث لأن المقتول لم يصل إليه حقه .
وقال ابن القيم في الجواب الكافي . التحقيق في المسألة . أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق .
حق الله ، وحق للمظلوم المقتول وحق للولي . فإذا سلم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي ندماً على ما فعله وخوفاً من الله وتوبة نصوحاً يسقط حق الله بالتوبة وحق الولي بالإستيفاء أو الصلح أو العفو ، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا .
وقد يجاب عن هذا فيقال :
إن المقتول ظلماً تكفر عنه ذنوبه بالقتل فهذا حقه وإذا أقيم الحدّ على الجاني فهو كفارته ولا يلحقه المقتول بشيء وهذا ظاهر حديث عبادة فقد جاء في الحديث ( ولا تقتلوا أولادكم ) وفي آخره قال ( ومن أصاب من ذلك شيئاً أي القتل والسرقة والزنا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ) .
والتفريق بين الأمرين أي بين من عوقب وبين من ستره الله صريح الدلالة على أن الحدود كفارات .
وإذا اقترن بذلك توبة وندم كان أفضل وأتقى لله باتفاق العلماء والله أعلم .
السؤال الرابع : ما صحة حديث . من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
الجواب : هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى والترمذي وغيرهم من طريق حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله .
وهذا إسناد لا يصح ولم يثبت لأبي تميمة سماع من أبي هريرة .
والخبر ضعفه البخاري والترمذي وغيرهما .
وقد ثبت بالكتاب والسنة تحريم وطء الحائض .
وثبت عن جماعة من الصحابة تحريم إتيان المرأة في دبرها .
قال أبو الدرداء رضي الله عنه . وهل يفعل ذلك إلا كافر !! رواه الإمام أحمد بسند صحيح .
وسئل ابن عباس عن الرجل يأتي المرأة في دبرها ؟ فقال : ذلك الكفر . رواه النسائي في الكبرى من طريق معمر عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس وهذا سند صحيح .
وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال . أوَيعمل هذا مسلم !!! رواه النسائي في السنن الكبرى .
وقد جاء في الباب أحاديث مرفوعة عن جمع من الصحابة .
وأهل العلم مختلفون في صحتها وقد جزم ابن حبان وجماعة بصحة كثير منها وعليه العمل عند أكثر أهل العلم .
وأما سؤال الكهان والعرافين فهو محرم بالإتفاق وهو مراتب منه ما هو كفر أكبر ومنه ما هو دون ذلك وقد جاء في صحيح مسلم من طريق يحي بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة .
وروى الحاكم في مستدركه بسند صحيح من طريق عوف عن خلاس ومحمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
السؤال الخامس : ما تقولون في حديث ( إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ) .
الجواب : ذكرت غير مرة في الدروس والإجابات أن هذا الحديث ضعيف وأنه لا يصح في فضل سورة يس حديث وقد شاعت في بلادنا وأكثر البلاد الأخرى فضائل هذه السورة الكريمة حتى فاقت شهرتها شهرة الأحاديث الصحيحة المتفق على ثبوتها وتلقيها بالقبول .
وقد جاء حديث ( إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ) عن جماعة من الصحابة :
1 – أنس بن مالك رواه الترمذي واستغربه .
2_ وعبد الله بن عباس رواه ابن مردويه .
3- وأبيّ بن كعب رواه القضاعي في الشهاب وذكره ابن لجوزي في الموضوعات .
4- وأبو هريرة رضي الله عنه رواه البزار وغيره .
ولا يصح من هذه الأحاديث شيء وقد أبان عن نكارتها غير واحد من الحفاظ .

9adim
21-Mar-2007, 10:27 PM
الجلسة الحادية عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 9 / 4 / 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : فضيلة الشيخ ما هو تعريف الإيمان عند أهل السنة ؟ وما هي نوا قضه ؟
الجواب : الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح يزيد وينقص وهذا الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وأهل السنة .
والمقصود من قول القلب هو اعتقاده ، وعمل القلب هو نيته وإخلاصه .
وقد حكى الإمام الشافعي إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر .
وقال البغوي رحمه الله . اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان وقالوا : إن الإيمان قول وعمل وعقيدة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن تارك جنس العمل مطلقاً كافر والمراد بجنس العمل أعمال الجوارح فلا يجزئ التصديق بالقلب والنطق باللسان حتى يكون عمل الجوارح .
وقال الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة . اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً ولا يجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين .
وقال رحمه الله . فالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً ولم تنفعه المعرفة والقول وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه .. ) .
وقد حكى إسحاق بن راهويه . إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة قال تعالى { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } وقال r بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ، رواه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ومن طريق ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير عن جابر .
وقال سفيان بن عينية : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية .
وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر وبيان ذلك في أمر آدم و إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه .
وقال إسحاق . غلت المرجئة حتى صار من قولهم إن قوماً يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره يرجى أمره إلى الله بعد إذ هو مقر . فهؤلاء الذين لا شك فيهم أنهم مرجئة .
وذكر الخلال في السنة عن الإمام الحميدي عبد الله بن الزبير أنه قال . أخبرت أن قوماً يقولون . إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن مالم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر بالفروض واستقبال القبلة . فقلت هذا الكفر بالله الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين قال الله عز وجل { حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } . قال حنبل قال أبو عبد الله أحمد أو سمعته يقول من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به .
وهذا قول كل أهل السنة والجماعة فهم متفقون على ما جاء في الكتاب والسنة أن تارك أعمال الجوارح مطلقاً كافر بالله خارج عن الإسلام . قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في آخر رسالته كشف الشبهات : ولا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً .. ) .
وخالف في ذلك غلاة الجهمية والمرجئة فزعموا أنه لا يكفر تارك جنس العمل مطلقاً وقد تقدم بيان فساده ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع .
وزعموا أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح لا يكفر حتى يجحد أو يستحل . و هذا باطل ليس عليه أثارة من علم .
فمناط الكفر هو مجرد القول الذي تكلموا به وقال تعالى { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ } وقد دل الكتاب والسنة على فساد هذا القول فقال تعالى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكمَ }.
وقد أجمع أهل العلم على أن سب الرسول r كفر دون اشتراط البغض أو الاستحلال .
وأجمع العلماء أن السجود للأصنام أو الطواف على القبور كفر دون ربط ذلك بالاستحلال .
وأجمع العلماء على أن تعمد إلقاء المصحف بالقاذورات كفر دون اشتراط الاستحلال .
وهذا كله ينقض أصول الجهمية والمرجئة ويبطل قولهم في مسألة الإيمان .
وقد جاء في سؤال الأخ طلب بيان نواقض أصل الإيمان وهي كثيرة وقد تقدمت الإشارة إلى شيء منها :-
كترك جنس العمل مطلقاً
وترك الصلاة بالكلية
و الطواف على القبور والسجود للأصنام
و إلقاء المصحف في القاذورات
و دعاء غير الله
و التقرب بالذبح لغير الله
و النذر للأولياء.
و سب الله أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم
و الاستهزاء بالدين .
و تبديل شرع الله ووضع القوانين الوضعية وإقامتها مقام حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } .
فمناط الكفر في هذه الآية هو ترك حكم الله والإعراض عنه وسبب نزول الآية يقضي بكفر من ترك حكم الله واعتاض عنه بغيره من أحكام البشر .
والكفر إذا عرف باللام فيراد به الكفر الأكبر .وما روي عن ابن عباس من كونه كفراً دون كفر فلا يثبت عنه وقد بينت نكارته في غير موضع وأبنت أن المحفوظ عنه إطلاق الكفر على من حكم بغير مـا أنزل الله ، وقد سئل ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت فقيل لـه أفي الحكم قال ذاك الكفر ثم تلا هـذه الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وهذا أثر صحيح رواه ابن جرير في تفسيره ورواه أبو يعلى في مسنده و البيهقي و وكيع في أخبار القضاة .
فمن حكم بهذه القوانين الوضعية والتشريعات الجاهلية أو قننها أو شارك في تشريعها أو فرضها على العباد وألزم بالتحاكم إليها وأعرض عن شرع الله والتحاكم إليه أو استخف بمن ينادي بتحكيم الكتاب والسنة فإنه كافر بالله العظيم وأي كفر أكبر من الإعراض عن شرع الله والصد عنه ومحاكمة من دعا إليه ولمزه بالرجعية والتخلف عن الحضارة والمناداة عليه بالجهل وسوء الفهم .
ومن عظيم نفاق هؤلاء المشرّعين أنهم إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن ذلك وصدّوا واستكبروا استكباراً وقد صرح أحدهم بأن حكم الله غير مناسب لمثل عصرنا فنحن في عصر التطور والحضارة ومجاراة الدول الأوربية بينما تحكيمُ الشريعة يعود بنا إلى الوراء والتخلف ، وهذا لسان حال الجميع من محكمي القوانين وإن لم يتكلم به أكثرهم والأفعال شاهدة على القلوب والأقوال ولا أدل من ذلك محاربتهم للناصحين وإقصاؤهم شرع رب العالمين .
وإعطاؤهم المخلوق حق التشريع بحيث تعرض الأحكام الشرعية القطعية على البرلمان فما أجازه فهو نظام الدولة وما حضره فهو ممنوع .
وهذا الصنيع إعتداء كبير على التشريع الإلهي وتطاول على الأحكام القطعية ولا ريب أن هذا منازعة لله في حكمه وحكمته وإلاهيته .
وتقييد الكفر بالجحود أو الاستحلال لا أصل لـه فإن الجحود أو الاستحلال كفر ولو لم يكن معه تحكيم القوانين .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثالث من الفتاوى : متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية في ترجمة جنكيز خان . من ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين .
قال تعالى { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } وقال تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً } .
فإن قيل إن الحاكم بغير ما انزل الله لا يفضل القانون على حكم الله بل يعتقد أنه باطل ، فيقال :
هذا ليس بشيء ولا يغير من الحكم شيئاً فان عابد الوثن مشرك ومرتد عن الدين وإن زعم أنه يعتقد أن الشرك باطل ولكنه يفعله من أجل مصالح دنيوية قال تعالى { وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } .
والاعتذار عن هؤلاء المشرعين المعرضين عن الدين بأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
يقال عنه : بأنّ المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يشهدون الشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون وليس هذا بنافع لهم .
والذين يطوفون حول القبور ولها يصلون وينذرون ويذبحون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقد قال تعالى { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }.
والذين قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه ونزل القرآن ببيان كفرهم . كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويجاهدون .
والرافضة الإثنا عشرية الذين يسبون الصحابة ويزعمون ردة أبي بكر وعمر وعثمان ويقذفون عائشة بالإفك يتكلمون بالشهادتين .
والسحرة والكهان والمنجمون يلفظون بالشهادتين .
وبنوعبيد القداح كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد وقد أجمعت الأمة على كفرهم وردتهم عن الإسلام .
وهذا أمر يعرفه صغار طلبة العلم ناهيك عن كبارهم وقد صنف أهل العلم كتباً كثيرة في الردة و نوا قض الإسلام يمكن مراجعتها في مضانها .
وأهل العلم والسنة يفرقون بين ذنب ينافي أصل الإيمان وبين ذنب ينافي كماله الواجب فلا يكفرون بكل ذنب .
وقد أجمعوا على أنه لا يكفر صاحب الكبيرة ما لم يستحلها فلا يكفر المسلم بفعل الزنا وشرب الخمر وأكل الربا لأنه هذه المحرمات لا تنافي أصل الإيمان .
والحديث عن هذه المسألة يطول ذكره وقد تحدثت عن هذه القضية في غير موضع وبينت كفر تارك أعمال الجوارح مطلقاً وردة المبدّلين لشرع الله المعرضين عمّا جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . بيد أني أقول إن الحديث عن هذه المسألة وغيرها من النواقض هو حديث عن النوع دون العين بمعنى أن من قال أو فعل ما هو كفر صريح كفر وهذا ليس بلازم منه تكفير المعين ، لأنه لا يحكم على العين بالكفر حتى تقام عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة لاحتمال أن يكون جاهلاً جهلاً معتبراً أو متأولاً تأويلاً سائغاً أو مكرهاً . وحين تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه موانع التكفير يصبح حينئذ مرتداً عن الدين ويجب على ولىّ أمر المسلمين تطبيق حكم الله فيه . ويمتنع على آحاد الناس إقامة الحدود والأحكام دون السلطان فان هذا يسبب فوضى في المجتمع ولا يحقق المصلحة المطلوبة .
وللحديث بقية لعلي أتحدث عنه في جلسة أخرى .
وأشير إلى أسباب الضلال في هذا الباب ومواطن الزلل في كلام كثير من المعاصرين .
فقد زلّ في هذه المسألة الكبيرة طائفتان :-
1. الخوارج حيث أخرجوا عصاه الموحدين من الإسلام وجعلوا ذنباً ما ليس بذنب ورتبوا على ذلك أحكام الكفر ولم يراعوا في ذلك الأحكام الشرعية ولا المطلق من المقيد ولا موانع التكفير .
2. وقابلهم في هذا الضلال أهل الإرجاء حيث زعموا أنه لا يكفر أحد بذنب مهما كان ذنبه حتى يستحل أو يجحد .
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على فساد هذين المذهبين وعلى ضلال تلك الطائفتين .
وأختم بمسألة مهمة وأنبه على أنه ليس كل من شابه المرجئة بقول أصبح مرجئاً ولا كل من دان بقول من أراء الخوارج صار خارجياً فلا يحكم على الرجل بالإرجاء المطلق ولا أنه من الخوارج حتى تكون أصوله هي أصول المرجئة أو أصول الخوارج .
وقد يقال عن الرجل فيه شيء من الإرجاء في هذه المسألة وذاك فيه شيء من مذاهب الخوارج .
وحذار حذار من الظلم والبغي حين الحديث عن الآخرين من العلماء والدعاة والمصلحين وغيرهم . فالعدل في القول والفعل من صفات المؤمنين وهو مما يحبه الله ويأمر به قال تعالى { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } ، وقال تعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان } .
وقد اتفق الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم إنسهم وجنهم على حب العدل .
واتفق الناس كلهم على بغض الظلم وذمه وبغض أهله وذمهم ومهما كانت منـزلة عدوك من الانحراف والضلال فهذا لا يسّوغ لك ظلمه وبهته . فكن من خير الناس للناس ولا تتحدث عن الآخرين إلا بعلم وعدل واجعل قصدك نصرة الحق والنصيحة للآخرين . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت . متفق عليه من حديث أبي هريرة .
السؤال الثاني : فضيلة الشيخ من لم ير كفر تارك الصلاة هل يعتبر من أهل الإرجاء ؟
الجواب : نقل عبد الله بن شقيق العقيلي إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة رواه عنـه الترمذي بسند صحيح ، وحكى إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم على ذلك وكونه إجماعاً للصحابة فهذا ظاهر فلا يعلم عن أحد من الصحابة خلاف في هذا .
وأما كونه إجماعاً لأهل العلم ففيه نظر فقد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن تارك الصلاة بالكلية لا يكفر مالم يجحد وجوبها . وهؤلاء أئمة هدى ومصابيح دجى فمن رماهم جميعاً بالإرجاء فقد أساء وظلم . فان هؤلاء الأئمة يمتنعون من تكفير تارك الصلاة بسبب ما توفر لهم من الأدلة وما استبان لهم من النصوص ولعله لم يبلغهم إجماع الصحابة أو لم يثبت عندهم وإلا لما تجاوزوه إلى اجتهادهم ورأيهم .
ومأخذ هؤلاء الأئمة من منع تكفير تارك الصلاة ليس هو مأخذ المرجئة من كون الصلاة عملاً وشتان ما بين المذهبين .
فمن ظهرت له الأدلة بعدم كفر تارك الصلاة فهو مجتهد يجب حفظ مكانته وصيانة عرضه من الوقيعة .
ومن قال أنا لا أكفر تارك الصلاة لأن الصلاة عمل ولا يكفر أحد بترك العمل مهما كان أمره فهذا مخطئ ضال وهو مذهب غلاة المرجئة .
السؤال الثالث : فضيلة الشيخ . روي عن عمر أنه قال : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . ماهي درجته ؟ ومن رواه ؟
الجواب : هذا الأثر صحيح رواه عبد الرزاق عن الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور بن مخرمة قال دخلت أنا وابن عباس على عمر حين طعن فقلنا الصلاة فقال : إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة فصلى وجرحه يثعب دماً .
ورواه من طريق معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال سمعت عمر يقول . لا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة .
ورواه المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة من طريق عبد الرزاق .
ورواه مالك في الموطأ من طريق هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة بدون ذكر سليمان بن يسار وقد رجح الدار قطني في العلل رواية الجماعة عن هشام وحكم على رواية مالك عن هشام بالوهم .
الجلسة الثانية عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 18 / 4 / 1422 هـ .
السؤال الأول : هل يستحب مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء ؟
الجواب :
ليس هذا بمستحب ولا جائز وقد ورد فيه حديث ابن عباس رواه أبو داود وضعفه .
وحديث عمر بن الخطاب رواه الترمذي في جامعه وقال غريب يعني بذلك أنه ضعيف .
فقد تفرد به حماد بن عيسى الجهني وهو ضعيف الحديث وفي الباب غير ذلك ولا يصح منها شيء .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى مسح الوّجه باليدين بعد رفعهما للدعاء وهذا مروي عن الحسن البصري وإسحاق وقول للإمام أحمد . وعنه لا يشرع وهو الصحيح فلم يثبت في ذلك حديث يصلح حجة في هذا الباب .
وقد ذكر الإمام المروزي رحمه الله في كتاب الوتر عن الإمام مالك أنه أنكر المسح وقال ما علمت .
وهذا قول عبد الله بن المبارك والبيهقي والعز بن عبد السلام فقد قال ( لا يمسح وجهه إلا جاهل ) .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
السؤال الثاني : ما هو القول الصحيح في وقوع الطلاق بالثلاث ؟
الجواب : الطلاق على نوعين حلال وحرام :
فالحلال : أن يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه أو يطلقها حاملاً قد تبين حملها .
الطلاق البدعي الحرام : أن يطلقها في حيض أو يطلقها في طُهر جامع فيه أو يطلقها بالثلاث مجموعة بكلمة واحدة .
وهذا الحكم بالنسبة للمدخول بها . وغيرُ المدخول بها يجوز طلاقها حائضاً وطاهراً غير أنه لا يجوز تطليقها بالثلاث مجموعة في أصح قولي العلماء .
وقد اختلف أهل العلم في وقوع الطلاق بالثلاث مجموعة .
فذهب الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم إلى أن الطلاق نافذ فلا تحل له الزوجة حتى تنكح زوجاً غيره .
وحكاه بعض أهل العلم إجماعاً . وهذا غلط من قائله فالخلاف ثابت بين المتقدمين والمتأخرين .
وقد ذهب الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله إلى أن هذا الطلاق لا يقع مطلقاً لا واحدة ولا غيرها وهذا القول ضعيف وليس عليه دليل ولا نظر صحيح .
القول الثالث في المسألة أن طلاق الثلاث يقع به واحدة رجعية وهذا مذهب ابن عباس وطاووس وعكرمة ومحمد بن إسحاق واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم وهو المختار فقد روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة .... ) .
ورواه من طريق ابن جُريج قال أخبرني عبد الله بن طاووس عن أبيه أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس : أتَعلَمُ أنها كانت الثلاث تُجعَلُ واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر ؟ فقال ابن عباس : نعم .
ورواه من طريق إبراهيم بن ميسرة عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس .. الحديث وإسناده إلى ابن عباس صحيح وهو أقوى دليل في هذا الباب .
ومحاولة تضعيفه بتفرد طاووس فيه نظر . فطاووس ثقة ثبت وتفردُ مثله إذا لم يخالف لا يضر وأهل العلم بالحديث لا يقبلون كل تفرد ولا يردونه فهم يعتبرون في ذلك القرائن ويحكمون على كل حديث بما يترجح لديهم .
وحديث ابن عباس صححه الإمام مسلم وأورده في صحيحه وطعن فيه الإمام أحمد رحمه الله والصحيح في ذلك قول الإمام مسلم ومن تابعه والله أعلم .
وقد جاء في مسند الإمام أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال ( طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني عبد المطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها قال طلقتها ثلاثاً قال فقال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت قال فراجعها فكان ابن عباس : يرى إنما الطلاق عند كل طهر )) .
وهذا الإسناد معلول . داود بن الحصين عن عكرمة فيه نظر قال الإمام علي بن المديني : ما روى عن عكرمة فمنكر الحديث .
وقال أبو داود . أحاديثه عن عكرمة مناكير .
وقد قوى هذا الإسناد جماعة من أهل العلم ونقلوا توثيق داود عن جماعة من الأئمة ترى هذا مذكوراً في زاد المعاد المجلد الخامس والله أعلم .

السؤال الثالث : فضيلة الشيخ . هل يفرق في الطلاق الثلاث بين قول الرجل أنت طالق البتة وبين قوله أنت طالق بالثلاث ؟
الجواب : الصحيح في ذلك أن طلاق الثلاث لا يقع منه إلا واحدة سواء كان بلفظ أنت طالق طالق طالق أو بلفظ أنت طالق وطالق وطالق أو بلفظ أنت طالق بالثلاث أو أنت طالق البتّة .
فكل هذه الصيغ لا تغيّر من الحكم شيئاً فإن جَمْعَ الثلاث محرم ولا يصح منه إلا واحدة وهذا الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والأمر النافذ في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق طلقتين أو ثلاثاً لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة .
ومثله لو قيل للرجل سبح ثلاث مرات فقال سبحان الله ثلاثاً لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة .
والطلاق الشرعي أن يطلق الرجل امرأته في العدة التي أمر الله بها طلقة واحدة فلا يخرج عن ذلك إلا جاهل والجاهل يرد إلى السنة ولا تمضى عليه البدعة .
السؤال الرابع : فضيلة الشيخ ما تقولون فيمن يلزم الناس بطلاق الثلاث ويكره المفتين والمجتهدين على هذا القول ؟
الجواب : أهل العلم مختلفون في وقوع طلاق الثلاث وتبلغ الأقوال فيها إلى أربعة وقد ذهب إلى كل قول إمام من الأئمة واحتج كل فريق بأدلة من النقل والعقل .
فحمل الناس على أحد هذه المذاهب وإلزام المفتين بذلك حجر على العقول وتضييق على المسلمين وتجهيل لعلومهم وهذا لا يقول به عالم .
فإن العلماء الراسخين لا يلزمون الناس بما يقولونه من مسائل الاجتهاد ولا يكرهون أحداً على ذلك ولا ترى هذا المسلك إلا فيمن قل علمه وكثر جهله فإنه هو الذي يحمل الناس على رأيه ويوجب العقوبة على مخالفه .
وأما العلماء الراسخون والفقهاء المجتهدون الذين اتسعت معارفهم وتنوعت علومهم فهم أبعد الناس عن ذلك .
قال الإمام أحمد رحمه الله . ما ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدّد عليهم .
ومثل هذا منقول عن الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الرد على الطوائف الملحدة . أن أئمة أهل السنة والجماعة لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد ولا يكرهون أحداً عليه )) .
وأرى أنه من الضروري على القضاة والمفتين اتباع الكتاب والسنة ومعرفة الحق بدليله والتعرف على أحكام الشريعة وأسرارها وما تضمنته من المصالح الدينية والدنيوية وتوسيع المدارك بجرد المطولات من الكتب الحديثية والفقهية ولا سيما كتب الأئمة المجتهدين أمثال ابن تيمية وابن القيم والشوكاني فهذا يبعث على معرفة الحق واتباع ذلك .
واعتقاد بعضهم براءَة ذمته بمجرد التقليد للمذهب المنتسب إليه وأن الأمر خرج عن عهدته هذا غير صحيح فهو مأمور بالبحث عن الدليل ما دام له قدرة على ذلك لأن المستفتي إنما يسأل عن حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن قول المذهب .
ولا وجه لكون القضاة والمفتين يتهيبون العامة وأقاويل الأكثرية فالهيبة المحمودة هيبة مخالفة الدليل والفتوى بالتقليد .
وإذا جبن القاضي أو المفتي عن الصدع بذلك فلا أقل من كونه يسكت عن الباطل ولا يفتي بدون علم فإن المتكلم بالباطل شيطان ناطق والساكت عن الحق شيطان أخرس .
السؤال الخامس : ما هي عدة المطلقة ثلاثاً ؟
الجواب : الذي عليه أكثر أهل العلم والأئمة الأربعة وغيرهم أن عدتها ثلاثة قروء كالمطلقة الرجعية .
والقروء الحيض في أصح قولي العلماء وحينئذٍ إذا انقضت الحيضة الثالثة فقد خرجت من العدة .
وقيل عدة المطلقة ثلاثاً حيضة واحدة إذ لا رجعة للزوج والعدة إنما وجبت ليتمكن الزوج من المراجعة فإذا لم تكن لـه رجعة لم يكن عليها عدة بل استبراء بحيضة واحدة كالمختلعة والمسبية والزانية إذا أرادت أن تنكح والمهاجرة .
وهذا القول منسوب لأبي الحسين بن اللبان وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول به على أن لا يكون الإجماع على خلافه وقال . ليس في ظاهر القرآن إلا ما يوافق هذا القول لا يخالفه .
وذكر نحو هذا القول الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين .
وقد زعم بعض المتأخرين شذوذ هذا القول وأن القرآن على خلافه وهذه دعوى ليس عليها بينة فليس في القرآن ما يخالف هذا .
وقوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . ظاهر الآية في الرجعية وليست في البائنة بدليل قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ... }. والمطلقة ثلاثاً لا رجعة لها فكان معلوماً أن الآية في الرجعية . والله أعلم .

9adim
21-Mar-2007, 10:28 PM
الجلسة الثالثة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة مسجلة بصوته فتم تفريغها وعرضها على الشيخ بتاريخ 30 / 4 / 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : فضيلة الشيخ . ما صحة حديث الدعاء مخ العبادة ؟
الجواب : هذا الحديث رواه أبو عيسى الترمذي من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبان بن صالح عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدعاء مخ العبادة .
قال الترمذي . هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة .
وابن لهيعة ضعيف الحديث مطلقاً قاله البخاري ويحى بن معين وأبو حاتم وغيرهم وهذا المشهور عن أئمة السلف وأكابر المحدثين فلا يفرقون بين رواية العبادلةعن ابن لهيعة وبين رواية غيرهم وإن كانت رواية العبادلة عنه أعدل وأقوى من غيرها غير أن هذا لا يعني تصحيح مروياتهم فابن لهيعة سيء الحفظ في رواية العبادلة عنه وفي رواية غيرهم والكل ضعيف وأقوى هذا الضعيف ما رواه القدامى عنه والله أعلم .
وقال الترمذي رحمه الله في أوائل جامعه في الحديث عن استقبال القبلة بغائط وبول . وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره .
وقد صح الخبر بلفظ . الدعاء هو العبادة رواه أحمد في مسنده و أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم من طريق ذرّ عن يُسيع الكندي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { وقال ربكم ادعوني استجب لكم } قال ( الدعاء هو العبادة ) وقرأ { وقال ربكم ادعوني استجب لكم } إلى قوله { داخرين } .
قال ابو عيسى الترمذي هذا حديث حسن صحيح .
السؤال الثاني : هل في القيء وضوء ؟
الجواب : في ذلك خلاف بين أهل العلم .
فقال الإمام مالك رحمه الله لا وضوء عليه ولكن ليتمضمض وليغسل فاه وهذا مذهب الإمام الشافعي ورواية عن الإمام أحمد .
وقال أبو حنيفة بوجوب الوضوء وهذا قول الإمام أحمد في رواية لحديث ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ . رواه أحمد والترمذي عن أبي الدرداء .
وروى ابن ماجة من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلنيصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم .
وهذا حديث ضعيف جداً . وإسماعيل بن عياش ليس بشيء عن غير أهل بلده .
والصحيح في المسألة أنه لا يجب الوضوء من القيء .
وحديث ثوبان مختلف في صحته وإن صح فمحمول على الاستحباب لأنه الأصل في الفعل المجرد وقد قال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار على حديث أبي الدرداء . وهذا حديث لا يثبت عند أهل العلم بالحديث ولا في معناه ما يوجب حكماً .. والنظر يوجب أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بسنة ثابتة لا مدفع فيها أو إجماع ممن الحجة بهم ولم يأمر الله تعالى بإيجاب الوضوء من القيء ولا ثبت سنة عن رسول الله ولا اتفق الجميع عليه .
السؤال الثالث : فضيلة الشيخ . رجل فاته الركوع الثاني من صلاة الجمعة كيف يقضي الصلاة ؟
الجواب : يصليها ظهراً أربع ركعات في أصح قولي العلماء قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أُخرى فإذا فاتك الركوع فصل أربعاً ) . رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في السنن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله وسنده صحيح .
وهذا قول عبد الله بن عمر رواه البيهقي .
وعبدالله بن الزبير رواه ابن أبي شيبة ، ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف وقال الترمذي رحمه الله في جامعه ( والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قالوا : من أدرك ركعة من الجمعة صلى إليها أُخرى ومن أدركهم جلوساً صلى أربعاً وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال أبو حنيفة وداود وابن حزم إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين لقول صلى الله عليه وسلم . إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا )) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة .
قالوا وظاهر هذا الحديث أن من أدرك جزءاً من الصلاة قبل سلام الإمام فهو مأمور بالدخول فيها مع الإمام وبعد ذلك يقضي ما فاته وذلك ركعتان لا أربع .
وفيه نظر والثابت في الأحاديث الصحاح أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة جاء هذا في الصحيحين وغيرهما ومفهومه أن من لم يدرك ركعة ففد فاتته الصلاة فيصلي الجمعة ظهراً وذلك أربع ركعات لا ركعتان لقول عامة الصحابة .
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن من لم يدرك من صلاة الجمعة جزءاً قبل السلام فقد لزمه أربع ركعات وإدراك ما دون ركعة حكمه حكم من لم يدرك شيئاً والله أعلم .
السؤال الرابع : ما حكم اللعب بالشطرنج ؟
الجواب : اللعب بالشطرنج على حالتين
الأولى : أن يكون اللعب عن عوض فهذا محرم ولا يجوز بالإتفاق وهو من الميسر المذموم والقمار المتفق على تحريمه سواء كان العوض من أحدهما أو من كليهما أو من طرف ثالث .
الثانية : أن يكون اللعب بغير عوض فهذا فيه خلاف قيل مكروه وليس بمحرم .
وقيل مباح لأن الله تعالى إنما حرم الميسر لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل فإذا خلا اللعب بالشطرنج عن الرهن والعوض لم يكن حراماً .
وقيل اللعب بالشطرنج حرام مطلقاً وهو بالعوض أشد تحريماً وأعظم ذنباً .
وهذا مذهب أكثر أهل العلم ونصره ابن القيم رحمه الله في كتابه الفروسية .
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنـزير ودمه ) والنردشير هو مايسمى في هذا العصر بلعبة الطاولة وهي صندوق وحجارة لها أوجه ستة ولكل وجه من الأوجه الستة نقاط مرتبة من الواحد إلى الستة .
والنردشير غير الشطرنج فإن الشطرنج أعظم مفسدة من النردشير واكثر ضرراً .
وحين زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن النردشير ولو بدون عوض اقتضى النظر والقياس الصحيح إلحاق الشطرنج به والتفريق بينهما في الحكم تفريق بين المتماثلين بدون حق .
والقول بأن التحريم مقصور على وجود العوض فإذا خلا اللعب عن العوض أبيح فهذا غير صحيح فإن التحريم واقع بوجود العوض وواقع بدونه بسبب ما يحصل باللعب من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتضييع الأوقات وإيقاع العداوة والبغضاء بين اللاعبين وغير ذلك من المفاسد المعلومة .
السؤال الخامس : فضيلة الشيخ . ما تقولون في حديث ( لا يقطع الصلاة شيء وادرأوا ما استطعتم ... ) .
الجواب : هذا الحديث لا يصح وليس بشيء فقد تفرد به مجالد بن سعيد عن أبي الودّاك عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود في سننه ومجالد بن سعيد تكلم فيه الأئمة .
قال الإمام أحمد : ليس بشيء .
وقال ابن معين : ضعيف واهي الحديث .
وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به .
وقال الدارقطني : ليس بقوي .
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله فيما يقطع الصلاة فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء .
بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها حين ذُكر عندها ما يقطع الصلاة ، الكلب والحمار والمرأة فقالت : شبهتمونا بالحمر والكلاب !! والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم فأنسل من عند رجليه .
وفي البخاري ومسلم من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس قال أقبلت راكباً على حمار أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي بمنى إلى غير جدار فمررتُ بين يدي بعض الصف وأرسلتُ الأتان ترتع فدخلتُ في الصف فلم يُنكر ذلك عليّ ) .
وروى مالك بلاغاً عن علي بن أبي طالب قال : لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي . ورواه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي والحارث ضعيف .
وروى بسند صحيح عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يقول : لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي .
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله في جامعه . والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين قالوا : لايقطع الصلاة شيء وبه يقول سفيان والشافعي .
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقطع الصلاة الحمارُ والمرأة والكلب الأسود .
لقوله صلى الله عليه وسلم . إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود . رواه مسلم في صحيحه من طريق حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر .
وفي صحيح مسلم من طريق عبيد الله بن الأصم عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقطعُ الصلاة المرأة والحمار والكلب .. ) وهذا قول ابن عباس وأنس بن مالك وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وعنه قال ، الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء .
وقال إسحاق ، لا يقطعها شيء إلا الكلب الأسود .
والمتوجه في هذه المسألة هو قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود .
ويجاب عن حديث عائشة المتفق عليه بأنه يفرق بين المار واللابث وقد كانت عائشة قارة ولم تكن مارة وقد أشار إلى هذا الإمام ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه .
ويجاب عن حديث ابن عباس بأن الإمام سترة لمن خلفه والقول بأن المقصود بالقطع في حديثي أبي ذر وأبي هريرة هو الخشوع لا حقيقة الصلاة فيه نظر .
وهو من صرف الألفاظ عن حقائقها بدون حجة وقد جاء حديث أبي ذر بلفظ . تعاد الصلاة من ممر الحمار والمرأة والكلب الأسود . رواه ابن خزيمة في صحيحه وهذا صريح في بيان معنى القطع بيد أن في صحته نظراً والمحفوظ بغير هذا اللفظ والعلم عند الله .
الجلسة الرابعة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في جلسته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابـة مسجلـة بصوته فتم تفريغها وعرضها عـلى الشيخ بتاريخ 10 / 5 / 1422 هـ فأذن بنشرها .
السؤال الأول : ما حكم المني إذا انتقل ولم يخرج ؟
الجواب : ذهب الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين إلى إيجاب الغسل على من انتقل منه المني ولم يخرج واختار ذلك القاضي وابن عقيل وجماعة من فقهاء الحنابلة .

ورتبوا على ذلك أن المرأة إذا أحست بانتقال الدم من محله فإنها تدع الصوم والصلاة ولو لم يخرج إلا بعد فترة . وفيه نظر . فالأدلة الصحيحة والنظر الصحيح على خلاف هذا وقد ذهب الإمام أحمد في رواية وأكثر أهل العلم من الفقهاء والمحدثين إلى أنه لا يجب الغسل على من انتقل منه المني حتى يخرج وذلك لما روى البخاري ومسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت . جاءَت أم سُليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق . هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعم إذا رأت الماء ) .
فهذا الخبر صريح في أن الغسل لا يشرع ولا يجب بالانتقال لأن النبي صلى الله الله عليه وسلم لم يوجب ذلك إلا برؤية الماء وهكذا المرأة إذا أحست بانتقال الدم لا تدع الصوم ولا الصلاة حتى يخرج الدم فهو الذي تترتب عليه الأحكام والله أعلم
السؤال الثاني : ما حكم الجمع في الحضر بين الظهر والعصر ؟
الجواب : يشرع الجمع بين الظهرين والعشاءَين في البرد الشديد والرياح الشديدة والمطر ونحو ذلك وهذا من يسر الشريعة وسماحتها ونفي الحرج عن هذه الأمة .
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس .
ويجوز الجمع في مصالح المسلمين العامة ولو لم يكن في ذلك برد ولا مطر ولا خوف فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن شقيق قال . خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة . قال فجاءَه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال ابن عباس . أتعلمني بالسنة لا أم لك ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدّق مقالته .
فهذا ابن عباس رضي الله عنهما جمع بين الصلاتين ولم يكن في سفر وليس هناك خوف ولا مطر ولكنهُ في خطبة يحتاج إليها المسلمون فلعله رضي الله عنه يخشى إن قطع الخطبة أن يتفرق الناس وتفوت المصلحة .
وقد قال بعض العلماء يجوز الجمع بين العشاءَين في أوقات العذر ومنع ذلك بين الظهرين وفيه نظر والصحيح الترخيص في الأمرين والأدلة صحت فيهما جميعاً وصحت الأدلة أيضاً في التخلف عن الجماعة والصلاة في البيوت في البرد الشديد والمطر والريح الشديدة فقد جاء في الصحيحين من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال أَلا صلوا في الرحال ثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول : ألا صلوا في الرحال .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حيّ على الصلاة قل : صلوا في بيوتكم . فكأن الناس استنكروا قال : فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة ، وإني كرهتُ أن أُحرجكم فتمشون في الطين والدحض . رواه البخاري ومسلم .

السؤال الثالث : ما حكم النية للجمع بين الصلاتين ؟
الجواب : ذهب الجمهور إلى أن الجمع بين الصلاتين لا يفتقر إلى نية وهذا الذي دلت عليه السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ولم ينقل عنه أنه نوى الجمع أو أمر بذلك أو علم أحداً من أصحابه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وذهب بعض فقهاء الشافعية والحنابلة إلى أن النية شرط لصحة الجمع لأن الجمع عمل فيحتاج إلى نية وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات ) متفق عليه من حديث عمر .
والصحيح رأي الجمهور لأن النية لو كانت مشروعة ناهيك عن وجوبها لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .
السؤال الرابع : ما حكم بيع العربان ؟
الجواب : العربان هو أن يشتري السلعة بثمن معلوم ويدفع شيئاً من الثمن على أنه إن أمضى البيع حُسب من الثمن وإلا كان للبائع وليس للمشتري المطالبة به .
وقد اختلف الفقهاء في حكمه
فقال مالك والشافعي ببطلانه لما فيه من الشرط والغرر وأكل أموال الناس بالباطل .
وقد روى مالك في الموطأ عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العُربان .
وهذا الخبر لا يثبت لأن الواسطة بين مالك وعمرو بن شعيب غير معروفة وحينئذٍ لا يصح الاحتجاج به على تحريم بيع العربان .
وهذا البيع ليس فيه محذور واضح فالبائع وكذا المشتري كلاهما قد تحصّلا على نفع وقد ثبت عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إجازته فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف والإمام أحمد في مسائل ابنه عبد الله أن نافع بن عبد الحارث اشترى داراً للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر فالبيع له و إن لم يرض فأربعمائة لصفوان .
ورواه الإمام البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم .
ورُوي جوازه عن ابن عمر ومحمد بن سيرين وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ويقويه الحديث المشهور ( المسلمون على شروطهم ) رواه البخاري معلقاً في باب أجر السمسرة ووصله الترمذي من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنده ضعيف وله طريق أخرى عند أبي داود من حديث أبي هريرة والله أعلم .
السؤال الخامس : من هو المسترسل وهل يثبت له الخيار ؟
الجواب : المسترسل هو الذي لا يماكس ويجهل قيمة المبيع فإذا غبن هذا المشتري غبناً يخرج عن العادة فإنه يثبت له الخيار وهو مخير بين ثلاثة أمور
الأول : أن يمضي البيع ويفوض أمره إلى الله .
الثاني : أن يرد المبيع ويأخذ قيمته .
الثالث : أن يأخذ قدر ما غبن به .
و أما الغبن اليسير الذي لا يخرج عن العادة فإنه يتسامح فيه ويصح معه البيع ولا يفسخ والله أعلم .
الجلسة الخامسة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مجموعة من الأسئلة وجهت للشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في إحدى جلساته اليومية بعد صلاة الظهر وكانت الإجابة عليها مسجلة بصوته وبعد ذلك فرغت من الأشرطة وعرضت على الشيخ بتاريخ 20 / 5 / 1422 هــ فأجاز نشرها .
السؤال الأول :ما حكم تولية المرأة للقضاء والوزارة وجعلها أحد أعضاء مجلس الشورى ؟
الجواب : نحن نعلم من قواعد الفقهاء والأصوليين أن كل أمر انعقد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو عصر الصحابة ولم يفعلوه مع إمكانية فعله فإنه بدعة ولا يجوز عمله ولا إقراره .
ولا أعلم أحداً من الصحابة ولا التابعين رخص للمرأة أن تكون ملكة أو أميرة على الرجال أو وزيرة أو قاضية أو عضواً في مجلس الشورى .
بل الأمر بعكس ذلك كانوا ينهون عن ذلك ولا يرون للمرأة شأناً في مثل هذه المسائل التي هي من خصائص الرجال .
وقد كان في عصر الصحابة مجلس شورى ولم يكن من بينهم امرأة على رجحان عقول كثير منهن ولا سيما أمهات المؤمنين .
وفي صحيح البخاري من طريق عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال . لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعدما كدتُ أن الحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .
فهذا دليل على منع المرأة من تولي الولايات العامة والقول بأن الحديث خاص بالإمامة العظمى غير صحيح فقد ذكر الأصوليون بأن الحكم الواقع على العام واقع على كل فرد من أفراده .
وهذا الذي فهمه الصحابة حين منعوا المرأة من الولايات العامة .
والمتأمل في طبيعة المرأة ونقص غريزة عقلها والفروق الكثيرة بين الرجال والنساء وخصائص كل منهما عن الآخر لا ينازع في منع المرأة من الولايات العامة وهذا رأي أكثر أهل العلم وذكره جماعة من العلماء اتفاقاً .
ولأبي حنيفة وبعض فقهاء المالكية رأي في تولية المرأة للقضاء فيما تجوز فيه شهادتها .
وذهب ابن حزم إلى جواز ولايتها القضاء مطلقاً وفيه نظر ورأي الجمهور أقوى دليلاً وتعليلاً والله أعلم .
السؤال الثاني : ما الحكم في المساجد المبنية على القبور ؟
الجواب :بناء المساجد على القبور أو اتخاذ القبور على المساجد محرم بالكتاب والسنة واتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة .
وهذا العمل معدود عند طائفة من الفقهاء من كبائر الذنوب .
فالواجب حينئذٍ هدمُ المساجد المبنية على القبور ونبش الأموات إذا دفنوا في المساجد فلا يجتمع في دين المسلمين مسجد وقبر كما تفعله اليهود والنصارى وفي صحيح البخاري ومسلم من طريق الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) يحذر ماصنعوا .
وفي صحيح مسلم من طريق زيد بن أبي أُنسية عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث النجراني عن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .إلا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك . )) .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الهيّاج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته .
والأدلة على تحريم بناء المساجد على القبور متواترة ولا ينازع في ذلك أحد من أهل العلم .
بيد أنك ترى بعض العامة والأغبياء في كثير من المجتمعات الإسلامية يتسابقون لفعل الصلاة في مسجد فيه قبر رجاء بركة الميت أو غير ذلك .
وهذه الصلاة في مثل هذه المساجد محرمة وفي إجزائها قولان للفقهاء .
الأول : أنها تصح مع الإثم وهذا قول الأكثر .
الثاني : أنها لا تجزي بل يجب إعادتها وهذا مذهب أحمد بن حنبل واختاره أبو محمد بن حزم رحمه الله .
السؤال الثالث :فضيلة الشيخ . إذا كان المسجد بُني على القبر ولم يمكن إزالة المسجد وأمكن إزالة القبر فما الحكم ؟
الجواب :
يجوز على الصحيح نبش القبر وإزالته وإن كان الأسبق إذا تعذر إزالة الطارئ . والضابط في ذلك مراعاة المصلحة وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : أنه إذا كان المسجد بُني بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر .
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إزالة المتأخر وهذا صحيح مع القدرة وانتفاء المفسدة والله أعلم .
السؤال الرابع : ما هو المعنى الصحيح للعلمانية ؟
الجواب : المعنى الصحيح للعلمانية هو اللادينية وذلك فصل الدين عن الحياة بحيث تقوم الحياة على غير دين الله وعلى غير شرعه .
فيبقى الإسلام معزولاً عن الحياة العملية معزولاً عن سياسة الحكم فلا يتدخل في الشئون الاقتصادية ولا الشئون الإدارية ولا يعالج مشكلات الحياة .
هذا ما يقوله المتشائمون من هذا الدين الجاهلون بأحكامه وتشريعاته فهم يُقصون الدين عن الحياة ويجعلون الحكم للشعب لا لله.
والأمر المحزن هو أن ترى هذا الفكر الساذج قد حضي بهالة إعلامية في بلاد المسلمين ولقي رواجاً وتقبُّلاً من أكثر الحكومات العربية وهذا بلاء عظيم نسأل الله السلامة والعافية .
السؤال الخامس : ماهي عقيدة السلف في ترك جنس العمل ؟
الجواب :إن تارك جنس العمل أي أعمال الجوارح مطلقاً كافر باتفاق المسلمين ولا ينفعه حينئذٍ قوله ولا اعتقاده فإن ذلك لا يصح بدون عمل .
وترى هذا مبيناً بطولٍ في الشريعة للآجري والإبانة لابن بطة وكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية وأوائل المجلد الأول من فتح الباري للحافظ ابن رجب .
وليس هذا بلازم لتكفير أصحاب الكبائر كما يقوله أهل الإرجاء فإن السلف متفقون على أن من الأعمال أركاناً للإيمان يكفر تاركها ومنها واجبات لا يكفر تاركها .
وفي فتح الباري لابن رجب قال سفيان بن عيينة : المرجئة سمّوا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ، لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر .
وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقرّوا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه .
ونقل حرب عن إسحاق قال . غلت المرجئة حتى صار من قولهم إن قوماً يقولون من ترك الصلوات المكتوبات وصـوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره ، يُرْجى أمرُه إلى الله بعد ، إذ هو مُقر . فهؤلاء الذين لا شك فيهم يعني أنهم مرجئة ... ) .
ومن دعاوى أهل الإرجاء أنه لا يكفر أحد بالفعل مالم يستحل أو يكذب أو يعاند الحق ويبغضه ويستكبر عنه .
وهذا قول غلاة الجهمية وهو خلاف الكتاب والسنة والإجماع فإن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم كافرُ بالاتفاق دون اشتراط البغض أو الاستحلال .
وأجمع العلماء على كفر المستهزئ بالدين دون ربط ذلك بالاعتقاد بل يكفر بمجرد الاستهزاء الصريح ولو كان هازلاً أو مازحاً قال تعالى { قل أبا الله وآياته ورسوله كنـتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فمناط الكفر هو مجرد القول .
وكذلك أجمع العلماء على كفر الحاكم المبدل لشرع الله الذي يضع القوانين الوضعية ويجعلها قائمة مقام حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتاب البداية والنهاية في ترجمة جنكيز خان ، قال رحمه الله : من ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين .
وقول ابن عباس في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } كفر دون كفر . لايصح عنه رواه الحاكم في مستدركه من طريق هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس وهشام بن حجير ضعيف الحديث قاله الأئمة يحي بن معين وأحمد بن حنبل والعقيلي وغيرهم وقال الإمام سفيان بن عيينة . لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير مالا نجده عند غيره .
والمحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ( هي كفر ) رواه عبد الرزاق في تفسيره من طريق عبد الله عن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وسنده صحيح .
وهذا المنقول عن أكابر الصحابة .ولا أعلم عن أحد منهم خلافاً في ذلك .
فأصحاب القوانين الوضعية والأنظمة الجاهلية والتشريعات المخالفة لحكم الله كفار :
1 _ بترك الحكم بما أنزل الله .
2- وكفار بتبديل شرع الله .
3- وكفار في حكمهم بهذا التشريع الجاهلي ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثالث من الفتاوى : والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء .
والاعتذار عن هؤلاء المشرّعين بأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .... يقال عنه .
* بأن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يشهدون هذه الشهادة ويصومون ويصلون وليس هذا بنافع لهم .
* والذين قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء . يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونزل القرآن بكفرهم ، كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويجاهدون .
* والذين يطوفون حول القبور ولها يصلون وينذرون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
* والرافضة الإثنا عشرية يتكلمون بالشهادتين .
* والسحرة والكهان والمنجمون يلفظون بهما .
* وبنو عبيد القداح كانوا يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد . وقد أجمعت الأمة على كفرهم وردتهم عن الإسلام .
وهذا أمر يعرفه صغار طلبة العلم ناهيك عن كبارهم .
فالاعتذار عن تكفير المبدّلين لشرع الله من أجل التكلم بالشهادتين مجرد تلبيس وتعمية للحقائق ومساهمة في استمرار الشرك في الأرض ونفوذ سلطان البشر مكان شرع الله .
وقد اعتذر عنهم آخرون بأنهم لا يفضلون القانون على الشرع ويعتقدون أنه باطل !! وهذا ليس بشيء ولا أثر له على الحكم فعابد الوثن مشرك ومرتد عن الدين وإن قال أنا أعتقد أن الشرك باطل .
السؤال السادس : فضيلة الشيخ هل يعذرون بالجهل ؟
الجواب : الذي منشأ ضلاله وكفره الإعراض عن العلم والعلماء والصدود عن الحق والتفريط الواضح في البحث عن سبيل الأنبياء والمرسلين فهذا غير معذور قال تعالى { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } وقال تعالى { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون } .
والذي منشأ ضلاله وتلبسه بالشرك أو الكفر الجهل المعتبّر مثل عدم بلوغ العلم أو التأويل الذي لـه وجه في العلم ونحو ذلك فإنه لا يُكفَّر حتى تقوم عليه الحجة .
وذلك أنَّ الجهل نوعان :
الأول مقبول : وهذا مانع من ثبوت الأحكام الشرعية فإن الحكم لا يترتب إلا على من توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع .
الثاني غير مقبول : وقد بينت ذلك في غير موضع وفصلت في المسألة وذكرت الأدلة على ذلك ومذاهب أهل العلم والله أعلم .

أجاب عن هذه الأسئلة
فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله