المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم تقسيم البدعة إلى سيئة وحسنة


أبو مقبل الأثري
26-Feb-2007, 12:05 AM
أقوال بعض أهل العلم في تقسيم البدعة إلى سيئة وحسنة


ما حكم تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة؟ وهل يصح لمن رأى هذا التقسيم أن يحتج بقول الرسول: "من سن سنة حسنة في الإسلام..." الحديث، وبقول عمر: "نعمت البدعة هذه..."؟ نرجو في ذلك الإفادة، جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

ليس مع من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة دليل؛ لأن البدع كلها سيئة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" [رواه النسائي في "سننه" (3/188 ـ 189) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه، ورواه الإمام مسلم في "صحيحه" (2/592) بدون ذكر: ((وكل ضلالة في النار)) من حديث جابر بن عبد الله. وللفائدة انظر: "كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث" لأبي شامة رحمه الله تعالى (ص93) وما بعدها].
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة" [رواه الإمام مسلم في "صحيحه" (2/704 ـ 705) من حديث جرير بن عبد الله]، فالمراد به: من أحيا سنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بمناسبة ما فعله أحد الصحابة من مجيئه بالصدقة في أزمة من الأزمات، حتى اقتدى به الناس وتتابعوا في تقديم الصدقات.
وأما قول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه"[رواه البخاري في "صحيحه" (2/252) من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري]؛ فالمراد بذلك البدعة اللغوية لا البدعة الشرعية؛ لأن عمر قال ذلك بمناسبة جمعه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح جماعة قد شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ حيث صلاها بأصحابه ليالي، ثم تخلف عنهم خشية أن تفرض عليهم[انظر: "صحيح البخاري" (2/252) من حديث عائشة رضي الله عنها]، وبقي الناس يصلونها فرادى وجماعات متفرقة، فجمعهم عمر على إمام واحد كما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي التي صلاها بهم، فأحيا عمر تلك السنة، فيكون قد أعاد شيئًا قد انقطع، فيعتبر فعله هذا بدعة لغوية لا شرعية؛ لأن البدعة الشرعية محرمة، لا يمكن لعمر ولا لغيره أن يفعلها، وهم يعلمون تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من البدع [للفائدة: انظر: كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث" لأبي شامة (ص 93 ـ 95)]. (1)




الأثر: قال عبد الرحمن بن عبد القاري خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط عدد يجمع من ثلا ثة إلى عشرة ) فقال: [ والله ] إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب [ قال ]: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم [ ف ] قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله " .
) صحيح (
رواه مالك في الموطأ وعنه البخاري والفرياني ورواه ابن أبي شيبة نحوه دون قوله نعمت البدعة هذه وله عند ابن سعد والفريابي طريق آخر بلفظ: " ان كانت هذه لنعمت البدعة " ورجاله ثقات غير نوفل بن إياس فقال الحافظ في " التقريب " : " مقبول " عند المتابعة والا فلين الحديث

اعلم أنه قد شاع بين المتأخرين الاستدلال بقول عمر " نعمت البدعة هذه " على أمرين اثنين:
الأول: إن الاجتماع في صلاة التراويح بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا خطأ فاحش لا نطيل الكلام عليه لظهوره، وحسبنا دليلا ًعلى إبطاله الأحاديث المتقدمة في جمعه صلى الله عليه وسلم الناس في ثلاث ليال من رمضان ، وإن ترك الجماعة لم يكن إلا خشية الافتراض .
الثاني: أن في البدعة ما يمدح ، وخصصوا به عموم قوله صلى الله عليه وسلم " كل بدعة ضلالة " ونحوه من الأحاديث الأخرى ، وهذا باطل أيضاً ، فالحديث على عمومه كما سيأتي بيانه في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى ، وقول عمر: " نعمت البدعة هذه " لم يقصد به البدعة بمعناها الشرعي الذي هو إحداث شيء في الدين على غير مثال سابق ، لما علمت إنه رضي الله عنه لم يحدث شيئاً بل أحيا أكثر من سنة نبوية كريمة ، وإنما قصد البدعة بمعنى من معانيها اللغوية ، وهو الأمر الحديث الجديد الذي لم يكن معروفاً قبيل إيجاده ، ومما لا شك فيه أن صلاة التراويح جماعة وراء إمام واحد لم يكن معهودا ًولا معمولاً زمن خلافة أبي بكر وشطراً من خلافة عمر - كما تقدم - فهي بهذا الاعتبار حادثة ، ولكن بالنظر إلى أنها موافقة لما فعله صلى الله عليه وسلم فهي سنة وليست بدعة وما وصفها بالحسن إلا لذلك ،وعلى هذا المعنى جرى العلماء المحققون في تفسير قول عمر هذا ، فقال السبكي- عبد الوهاب - في " إشراق المصابيح في صلاة التراويح " ( 1/168 ) من " الفتاوى " :
" قال ابن عبد البر: لم يسن عمر من ذلك إلا ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبه ويرضاه ولم يمنع من المواظبة إلا خشية أن تفرض على امته ، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً صلى الله عليه وسلم ، فلما علم عمر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص منها بعد موته صلى الله عليه وسلم أقامها لناس وأحياها وأمر بها وذلك سنة أربعة عشرة من الهجرة ، وذلك شيء ذخره الله له وفضله به ، ولم يلهمه أبا بكر ، وإن كان أفضل وأشد سبقاً إلى كل خير بالجملة ، ولكل واحد منهما فضائل خص بها ليس لصاحبه " قال السبكي:
" ولو لم تكن مطلوبة لكانت بدعة مذمومة كما في " الرغائب " ليلة نصف شعبان ، وأول جمعة من رجب ، فكان يجب إنكارها وبطلانه ( يعني بطلان إنكار جماعة التراويح ) معلوم من الدين بالضرورة " .
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في فتواه ما نصه:
" إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وقتال الترك لما كان مفعولاً بأمره صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعة ، وإن لم يفعل في عهده ،وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: " نعمت البدعة هي " أراد البدعة اللغوية ، وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: ((ما كنت بدعاً من الرسل)) ، وليست بدعة شرعية ، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم ، ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن ، فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين ، وإن لم يكن فيه نهي ، وكرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياساً على الطواف ، وكذا ما تركه صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي يكون تركه سنة ، وفعله بدعة مذمومة ، وخرج بقولنا مع قيام المقتضي في حياته إخراج اليهود وجمع لمصحف ، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع " . (2)




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

(1) المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، 1/171، رقم الفتوى في مصدرها: 94.
(2) نقلا من كتاب (صلاةالتراويح) للعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله


جمع وإعداد الفقير لعفو ربه القدير
ابومقبل رضوان بن محمد الأثري