المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تبرئة مفتي الانام ابن تيمية من القول بفناء النار كما افترى عليه اعدائه اللئام


أبو قتادة الجوهري
02-Nov-2008, 03:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين نبينا محمد وعلى اله وازواجه وصحبه اجمعين اما بعد:

فمن البدع التي احدثها جهم بن صفوان القول بفناء الجنة والنار وهو قول كفري كما قال اهل العلم لان هذا القول من اقبح الاقوال وهو قول مخالف لما نص عليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالف لاجماع سلف الامة وائمتها فانه لم يصح عن احد سلف هذه الامة انه قال بفناء النار او الجنة قال ابن حزم رحمه الله في (الفصل في الملل والنحل ) : اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها ولا للنار ولا لعذابها إلا جهم بن صفوان.وقال الامام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة رحمه الله تعالى: (كتاب الإيمان والتصديق بأن الجنة والنار مخلوقتان وأن نعيم أهل الجنة لا ينقطع عن أهلها أبداً وأن عذاب النار لا ينقطع عن أهلها الكفار أبداً. وقال ابو جعفر الطحاوي رحمه الله في كتابه الطحاوية: والجنة والنار لا تفنيان ابدا ولا تبيدان.

فهذا هو قول اهل السنة والجماعة قاطبة وقد ياتي بعضهم ويقول كيف تدعون الاجماع على هذه المسالة وقد قال شيخ الاسلام بفناء النار فيقال له ان هذا من اعظم الكذب والافتراء على شيخ الاسلام ابن تيمية فانه رحمه الله قال كما في مختصر الفتاوى المصرية ص 177:واتفق سلف الامة وائمتها على ان من المخلوقات ما لا يُعدم وهو الجنة والنار والعرش وغير ذلك. وسئل رحمه الله عن حديث انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء لنار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش) فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟.
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام بعض العلماء وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات مالا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة وأئمتها.مجموع الفتاوى الجزء 18 ص 307
فهل يقال بعد هذا ان شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله خالف اتفاق السلف والائمة وقال بفناء النار؟ فاتهامه رحمه الله بالقول بفناء النار من اعظم الكذب والبهتان والافتراء عليه رحمه الله ويقال لهم ايضا اين قال شيخ الاسلام بفناء النار؟ فهل لكم من علم فتخرجونه لنا ام انكم لا تحسنون الا الكذب والافتراء على الناس كما علمكم ائمتكم الاولون وايضا يقال للزنديق حسن السقاف الكذاب الاشر فلماذا تنتقم من شيخ الاسلام وتدندن عن هذه المسالة مع انه رحمه الله قال بخلاف ما ينسب اليه ولكن وان سلمنا لك جدلا انه قال بفناء النار فهل قلت في اجدادك واسيادك الجهم وابي الهذيل وغيرهما من ائمة الجهمية والمعتزلة ما قلته في شيخ الاسلام مع ان ابا الهذيل والجهم لم يقولا بفناء النار فقط بل قالا بفناء الجنة والنار وهذا قد صح عنهما كما نقل ائمة الاسلام وذكر هذا ايضا غير واحد من ائمة الاشاعرة عن هذين الامامين الضالين فلماذا لا تكفرهما يا السقاف كما كفرت ابن تيمية رحمه الله وعددت هذا من ضلالات ابن تيمية فهل عددت هذا من ضلالات ابي الهذيل والجهم؟ ام انها الهوى يا السقاف

وايضا مما يبين اكثر ان ابن تيمية لم يقل بفناء النار هو انه جاء في مراتب الاجماع لابن حزم رحمه الله انه قال :باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالقه بإجماع. ثم ذكر عدة مسائل ثم قال: وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدا لا تفنى ولا يغنى أهلها أبدا بلا نهاية. ولم يتعقبه شيخ الاسلام على نقله لهذا الاجماع بل ولتكفيره لمن خالف مثل هذا الاجماع ايقال ان ابن تيمية تعقب ابن حزم في مسائل فرعية عملية نقل فيها الاجماع وترك التعقيب عليه في هذه النقطة وهي من المسائل الاعتقادية التي يكفر من خالفها؟ وهذا مما يزيد الامر وضوحا وهو ان شيخ الاسلام لا يقول بفناء النار وليست عقيدته رحمه الله فلو كان هذا مما يعتقده لدافع ورد على ابن حزم فسكوته رحمه دليل على انه رحمه الله يرى نفس ما راه ابن حزم في هذه المسالة وكما قيل السكوت علامة الرضى.وبالله التوفيق

واما بالنسبة الامام ابن القيم رحمه الله وانه يقول بفناء النار فاليك ايها المنصف كلام ابن القيم في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب وهو من اواخر ما الف رحمه الله :ولما كان الناس على ثلاث طبقات : طيب لا يشينه خبث وخبيث لا طيب فيه واخرون فيهم خبث وطيب كانت دورهم ثلاثة : دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض وهاتان الداران لا تفنيان. ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي لا تفنى وهي دار العصاة،فانه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين احد فإنهم اذا عذبوا بقدر جزائهم اخرجوا من النار فادخلوا الجنة ولا يبقى الا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض. انتهى كلامه رحمه الله وهذا في الوابل الصيب صفحة 20
واقول:لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
فالى متى يبقى هؤلاء الكذبة وائمة البدعة والهوى يفترون الكذب على ائمة اهل السنة؟
فكلام ابن القيم رحمه الله واضح جلي على ان النار التي تفنى هي نار العصاة وليست نار الكافرين وعلى هذا القول يحمل بعض الاثار التي جائت في هذا الباب عن السلف وان كان لا يصح منها شيء كما قال الشيخ الالباني رحمه الله في تعليقه على الطحاوية:لم يثبت القول بفناء النار عن احد من السلف وانما هي اثار واهية لا تقوم بها حجة وبعض احاديثه موضوعة،لو صحت لم تدل على الفناء المزعوم وانما على بقاء النار وخروج الموحدين منها. انتهى كلامه .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا الامين وعلى اله وصحبه اجمعين
كتبه اخوكم الفقير الى ربه: ابو قتادة السلفي عفا الله عنه وعن والديه

ناصر السنة
14-Nov-2008, 10:18 PM
أحسن الله إليكم يا أبا سلمان ـ، فهذا هو القول المنصف والقول الحق في شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، ولعلك تسمح لي أن أنقل هذه المُناظرة الرائعة بين عَلمين جليلين في مسألة الفناء ،، ويُستفاد منها الطُرق العلمية الصحيحة للحوار :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه مناظرة في فناء النار، ذكرها فضيلة الشيخ أحمد بن محمد الأمين الشنقيطي في كتابه (مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي)، بحضور فضيلة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم، وأخيه الشيخ العلامة عبداللطيف بن إبراهيم، يظهر فيها العلم الجم الذي حباه الله لفضيلة الشيخ محمد الأمين رحمه الله، وكذلك تواضع الشيخين محمد وعبداللطيف رحمهما الله ورجوعهما إلى الحق في هذه المسألة، وإلى تفاصيل المناظرة.

قال الشيخ أحمد بن محمد الأمين:

((لقد استدعى المسؤولون الشيخين: شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبدالرحمن الإفريقي رحمة الله على الجميع، استُدعيا للتدريس بالمعاهد والكليات، وأُنزلا بدار الضيافة، واستقبلهما المسؤولون بحفاوة وتكريم.

ولقد أقبل المسؤولون على فضيلة الشيخ محمد الأمين بغاية التقدير والاحترام، وكان هناك مصريٌّ حَضَريٌّ أزهري من أصحاب الشهادات المبروزة، وكان قبل قدوم الشيخ يُعتبر كأنه كبيرُ المدرسين ولما رأى حفاوة المشايخ بفضيلة الشيخ دونه لعل ذلك أخذ بخاطره ـ ولا أظن إلا خيراً ـ، فصار يتحين الفرص له.

أخبرني شيخي عليه رحمة الله، قال: عندما كنت خارجاً من فصلٍ كنتُ فيه في درس تفسير، ودخلتُ غرفة استراحة المدرسين، وكان الشيخان: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ وأخوه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، كانا موجودين في غرفة استراحة المدرسين، الأول مفتي الديار السعودية، والثاني المدير العام للمعاهد والكليات، فعندما دخلتُ غرفة الاستراحة، إذا ذلك المصري يقول: يا شنقيطي سمعتك تقرر في الدرس أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع؟.

قلتُ: نعم.

فقال: كيف تسمح لنفسك يا شنقيطي! أن تعلم أولاد المسلمين أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والمجدد محمد بن عبدالوهاب يقرران أنها تخبو وينبت في قعرها الجرجير؟؟.

قال الشيخ: وكنتُ آنذاك حديثَ عهد بالصحراء أغضبُ إذا أُسْتُغْضِبْتُ، فقلتُ له: يا مصري! من أخبرك أن الرسول الذي أرسل إليَّ، ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبدالوهاب؟ إن الرسول الذي أرسل إليَّ ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ولد بمكة ولم يولد بحريملاء، ودفن بالمدينة ولم يدفن بالدرعية، وجاء بكتاب اسمه القرآن، والقرآن أحمله بين جنبيَّ، وهو الذي يجب عليَّ الإيمان بما جاء به؛ ولما تأملت آياته وجدتها مطبقةً على أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، علمتُ ذلك لأولاد المسلمين لمَّا ائتمنني وليُّ أمر المسلمين على تعليمهم، أسمعتَ يا مصري؟؟.

قال: فقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: ((سَمْ؟!)) وهي بلهجة أهل نجد من مدلوها ((ما تقول؟)).

فقال الشيخ الأمين: فقلتُ لهُ: ذاك إنسان يعي ما يقول!!.

قال: وكان (أي: ابن إبراهيم) رجلاً عاقلاً، وقد علم أني مُحْتَدٌ.

فقال سماحته: أطال الله عمرك، منك نستفيد ـ يعني أفدنا ـ.

قال الشيخ الأمين: إني قلت ما قلت بعد أن اطلعتُ على ما استدل به ابن القيم تقريراً لمذهب شيخه.

لقد استدل بآية النبأ(لابثين فيها أحقابا* لا يذوقون فيها برداً ولا شرابا * إلا حميماً وغساقا))، وبآية هو (( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)).

واستدل بأربعة أحاديث ثلاثة منها في غاية الضعف، ولا يمكن الاحتجاج بها، والرابع حديث طاووس عن عبدالله: ((يأتي على النار زمان تخفق أبوابها، وينبت في قعرها الجرجير))، وهو حسن السند صالح للاحتجاج به.

واستدل ببيت شعر هو قول الشاعر:

لمخلف إيعادي ومنجز موعدي.....

قال: لا مانع من أن يكون ما يجمل عند العرب كله موجود في القرآن، والعرب يجمل عندهم إخلاف الوعيد وإنجاز الوعد، فلا مانع إذا من إخلاف وعيده لأهل النار بالخلود.

قال: وذكر ابن القيم سفسطةً للدهريين هي قولهم: إن الله أعدل من أن يعصيه العبد حقباً من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي، قالوا: إن الإنصاف أن يعذبه قدر المدة التي عصاه فيها.

وأنا أُجِلُّ ابن القيم عن أن يكون ذكر هذه السفسطة للاحتجاج بها، وإنما ذكرها استطراداً.

فقال سماحته: أفدنا أطال الله في عمرك.

قال شيخنا: فقلتُ له: إني أصبحت وإياك على طرفي نقيض، أنتم تمثلون طائفة من المسلمين تقول بفناء النار وانقطاع عذابها، وأنا أمثل طائفة من المسلمين تقول النار أبدية وعذابها لا ينقطع، والله تعالى يقول: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) إلى قوله تعالى ((ذلك خير وأحسن تأويلا)).

فقد أصبحنا يا سماحة الشيخ بمثابة المتناظرين، ولا بد للمتناظرين من حَكَمٍ يُحكامنه بينهما يرجعان إليه لئلا يتسع الخلاف.

قال سماحته: فماذا ترى أن نحكم بيننا؟.

قال شيخنا: أرى أن نحكم بيننا كتاب الله تلاوةً لا تأويلا، معناه أنه لا يقبل من أحدنا الاستدلال إلا بآية يشهد له منطوقها بدلالة المطابقة.

قال سماحة الشيخ محمد: فقد حكمنا بيننا كتاب الله تلاوة لا تأويلا.

فقال الشيخ الأمين: إذا شاء سماحتكم بحثنا هذه المسألة بالدليل الجَدَلي المعروف بالسبر والتقسيم، والذى أتى به صاحب مراقي السعود ـ المسلك الرابع من مسالك العلة ـ حيث يقول:

والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع

ويبطل الذي لها لا يصلح فما بقي تعيينه متضح

ومعنى البيتين: أن يجمع المتناظران أو المتناظرون الأوصاف التي يحتمل أن تكون مسألة النزاع متصفة بها، فإن اتفقا أو اتفقوا أنَّ أوصاف المسألة محصورة فيما جمعوا، شرعوا في سبرها، أي: في اختبارها، أي: بعرضها واحدة بعد واحدة على المحكم، فما رد منها المحكم وجب رده، وما بقي تعيَّن الأخذ به.

فقال سماحة الشيخ محمد: وافقنا على بحث المسألة بالسبر والتقسيم.

قال شيخنا: قيدوا ما تتفقون عليه من احتمالات للمسألة لتتمكنوا من عرضها على المحكم واحدة بعد الأخرى، فمثلاً:

يحتمل: أن النار تخبو.

ويحتمل: أنها تأكل من أُلقي فيها حتى لا يبقى من أهلها شيء.

ويحتمل: أنهم يخرجون منها فراراً منها.

ويحتمل: أنهم يموتون فيها، والميت لا يحس ولا يتألم.

ويحتمل: أنهم يتعودون حرَّها فلا يبق يؤلمهم.

ويحتمل: أنه لا يقع شيء من ذلك كله، وأنها أبدية وعذابها لا ينقطع.

ولمّا اتفق الحضور على أنه لا يوجد احتمال بعد هذه الاحتمالات الستة المقيدة، ابتدؤوا بعرض الاحتمالات على المحكم.

قالوا: يحتمل أنها تخبو، فإذا المحكم يقول: ((كلما خبت زدناهم سعيراً))، ومعلوم أن (كلما) أداة من أدوات التكرار بلا خلاف، فلو قلت لغلامك: كلما جاءك زيد أعطه كذا من مالي، فإذا منعه مرة ظلمه بلا خلاف.

وقالوا: يحتمل أنها تأكلهم حتى لم يبق منهم شيء، فإذا المحكم يقول: ((كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب))، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب بموجب هذه الآية.

وقالوا: يحتمل أنهم يخرجون منها هاربين، فإذا المحكم يقول: ((كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها))، ويقول: ((وما هم منها بمخرجين))، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار.

وقالوا: يحتمل أنهم يموتون فيها والميت لا يحس ولا يتألم، فإذا المحكم يقول: ((إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي))، ويقول: ((ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت))، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب من الاعتبار.

وقالوا : يحتمل أنهم يتعودون حرها فلم يبق يؤلمهم لتعودهم عليه، فإذا المحكم يقول: ((فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا))، ويقول: ((إن عذابها كان غراماً))، والغرام: الملازم، ومنه جاء تسمية الغريم، ويقول المحكم: ((فسوف يكون لزاما))، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار.

قال شيخنا: فلم يبق إلا الاحتمال السادس، وهو أنها أبدية وعذابها لا ينقطع، وقد جاء ذلك مبيناً في كتاب الله العزيز في خمسين موضعاً منه.

فسردها لهم مرتبة بحسب ترتيب مصحف عثمان رضي الله عنه، وكأنها جاءت مسرودة في صفحة واحدة.

وعند ذلك قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية، قال: آمنا بالله وصدقنا بما جاء في كتاب الله.

فقال شيخنا على رحمة الله: وعلينا أن نجيب عن أدلة ابن القيم، وإلا تركنا المسلمين في حيرة، ولنجيبنَّ عليها بالكتاب تلاوة لا تأويلا، فنقول:

أما آية النبأ، فلا دليل فيها لما يريد الاستدلال بها عليه، إذ غاية ما تفيده آية النبأ هذه، هو: أن أهل النار يمكثون أحقاباً من الزمن في نوع من العذاب هو الحميم والغساق، ثم ينتقلون منه إلى آخر بدليل قوله تعالى في (ص): ((هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج))، ومعلوم أن عذاب أهل النار أنواع، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

وأما استدلاله ببيت الشعر فإن ما قاله يمكن اعتباره لولا أننا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه: إن وعيده لأهل النار لا يخلف، قال في (ق): ((قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد))، وقال أيضاً في نفس السورة: ((كل كذب الرسل فحق وعيد)).

وأما سفسطة الدهريين التي ذكرها استطراداً، فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وجد كيف يكون، وقد علم في سابق علمه أن الخُبث قد تأصل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام: ((ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)).

فيبقى لدينا من أدلة ابن القيم آية هود، وهي قوله تعالى: ((خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد))، وحديث أبي داود وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على النار زمان تخفق أبوابها وينبت في قعرها الجرجير))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فإنهما دليلان صالحان للاحتجاج بهما، فيجب علينا البحث والتنقيب عن وجه يمكن به الجمع بين الأدلة، لأن إعمال الدليلين أولى من طرح أحدهما كما هو مقرر في فن الأصول، قال في مراقي السعود:

والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا

إن عندنا أدلة على أن النار أبدية ولا ينقطع عذابها، وهذه الآية التي من سورة هود وهذا الحديث الحسن دليلان يفيدان أن النار تفنى، فما العمل؟.

والجواب: أننا نرى إمكان الجمع بين هذه الأدلة، بحمل آية هود وحديث أبي داود على الدَّرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين، فإنه يخرج منه آخر من بقلبه مثقال ذرة من إيمان، ويخبو وتخفق أبوابه وينبت في قعره الجرجير، أما دركات النار المعدة سجناً وعذاباً للكفار فهي أبدية وعذابها لا ينقطع.

وهنا تنسج الأدلة الشرعية في بوتقة واحدة لا تعارض بينها، ولا يكذب بعضها بعضا، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فقال سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ: ((يا عبداللطيف ـ يعني أخاه المدير العام للمعاهد والكليات ـ الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، من الآن قرروا أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، وأن تلك الأدلة المراد بها الدرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين))، وبالله تعالى التوفيق.))